العقيد أبو لحوم يتنبأ بسيطرة مشائخ وضباط الشمال على السلطة في اليمن ويقترح تنظيم العلاقة بين القبائل والعسكر بتأييد أمريكي

يجمع المعاصرون لأحداث النصف الأول من السبعينات أن العقيد إبراهيم الحمدي لم يكن له أن يصل إلى السلطة عام 1974 دون دعم واضحا آل أبو لحوم المسيطرين على أهم وحدات الجيش في تلك الفترة. لكن عندما اختلف الحمدي معهم لاحقا فإنهم لم يلجؤوا للعنف مطلقا، بل قرر علي أبو لحوم وشقيقاه سنان أبو لحوم، ودرهم أبو لحوم الذهاب إلى منازلهم بسلام حقنا لدماء اليمنيين، وإيثاراً منهم لمصلحة البلاد على مصالحهم الخاصة. وكانت هذه من أهم النقاط الناصعة التي تحسب لهم في تاريخهم الشخصي وفي تاريخ اليمن ككل. ومن مفارقات الأقدار أن الغدر اللئيم بالرئيس الحمدي، لم يأته من مراكز القوى القبلية والعسكرية التي اختلف معها، بل جاء من أولئك الذين اختارهم لمواجهة خصومه. كان الرجل يدرك أن رجل القبيلة الحقيقي يواجه ولا يغدر، يخاصم ولا يفجر. ولهذا لم يكن الحمدي يتردد في الذهاب إلى منطقة خمر بمعية حارسين فقط للقاء خصمه الكبير الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر. وكان الشيخ وقتها يتمنى سقوط حكم الحمدي، ولكنه يرسل أفراد القبيلة لحماية الطريق الذي يمر منه الحمدي بسيارته إلى العاصمة حرصاً من الشيخ ألاّ يحدث له مكروه عقب لقائه به.
 
ومن الصدف العجيبة أن العقيد علي أبو لحوم تنبأ عام 1965 أن تستولي قبائل الشمال على الحكم في اليمن بعد انسحاب المصريين من البلاد، وهو ما حصل بالفعل. ولكنه لم يكن يتوقع أن تكون السيطرة لقبائل من نوع آخر لم يقصدها في تنبؤاته. فمن المؤكد أنه لم يخطر على باله وقتها أنه سيتم تفريخ مشائخ جدد وقيادات قبلية مصطنعة أخذت من النظام القبلي أسوأ ما فيه. تاركة أروع ما في النظام القبلي من شعور بالعزة والكرامة، واحترام الآخر. ولم تكتف القيادات القبلية المصطنعة بإفراغ النظام القبلي من مضمونه، بل اخترقت المؤسسة العسكرية وفككتها، وحولت وحدات القوات المسلحة اليمنية، من جيش للدفاع عن الثورة وحماية الجمهورية إلى حرس جملوكي خاص لحراسة الأشخاص وحماية مكتسبات الحكام العقارية، ورعاية أولاد المسؤولين، وقيادة سياراتهم، وتوصيلهم إلى قصورهم ومزارع آبائهم. هذا ما يتعلق بجيش الشمال. أما جيش الجنوب فقد أحيل إلى التقاعد، وجرى تشريد كوادره كي لا يشكل خطراً على حراس القصور ومزارع تسمين العجول، وحتى لا ينافس جيش الشمال في صرفيات الفول والكدم. وصدق الشهيد محمد محمود الزبيري حين قال: وانتمُ طبعة للظلم ثانية، تداركت كل ما قد أهملوا ونسوا. ووقتها كان علي أبو لحوم يقصد في تنبؤاته الشطر الشمالي من اليمن، وربما أنه لم يكن يتوقع أن يأتي اليوم الذي يمتد فيه حكم القبائل ليشمل اليمن كاملاً من صعدة إلى المهرة.
 
وفي هذه الحلقة سوف نستعرض وثيقتين أميركيتين حول موضوع واحد وردت فيهما تنبؤات علي أبو لحوم في سياق الحديث عن هجمات وقعت على السفارة الأميركية في صنعاء. كان مجيء العقيد علي أبو لحوم إلى السفارة، بغرض تقديم اعتذار نيابة عن الحكومة اليمنية ونيابة عن شقيقه الشيخ سنان أبو لحوم. لكن إحدى الوثيقتين تضمنت أيضاً أوصافاً فيها كثير من التجني على بطل من أبطال اليمن هو الشيخ أحمد العواضي، حيث تصفه الوثيقة بالخواف، رغم أن شجاعته كانت ترعب كبار مشائخ اليمن الأعلى والأسفل على حد سواء. وفيما يلي نص الوثيقتين. وتقتضي الأمانة الصحفية إيرادها كما هي لأنها مرتبطة بصراعات فترة تاريخية معينة. ومن المؤكد أن رأي الشيخ علي أبو لحوم في الشهيد العواضي أصبح مختلفاً جذرياً بعد انتهاء سنوات الصراع الجانبي بين الجمهوريين:
 
عسكر وقبائل
وثيقة سرية مرسلة إلى وزارة الخارجية الأميركية
مذكرة حوار
التاريخ 7 نوفمبر 1965م
الموضوع: الهجمات على السفارة الأميركية
2 - زعماء القبائل يحضرون لمؤتمر حرض.
3 - الروابط العسكرية-القبلية
المكان: فرع مكتب السفارة في صنعاء
 
المشاركون: علي أبو لحوم عقيد في جيش الجمهورية العربية اليمنية، وعلي الهلالي مالك مبنى السفارة، وسي. جي. كونيلان السكرتير الأول في فرع السفارة في صنعاء.
 
أوضح العقيد أبو لحوم، أنه باعتباره أخا الشيخ سنان أبو لحوم، جاء إلى مكتب السفارة لكي يعرب نيابة عن الشيخ سنان -عن أسفه لحادث الاعتداء على السفارة- وأيضاً عن أسف المشائخ الشماليين وخصوصاً علي بن ناجي القوسي. كان الشيخ سنان أبو لحوم ساعتها في عدن، في طريقه إلى مدينة جدة. وكان قد قال بأنه سوف يلقي خطاباً في إذاعة عدن حيث سيعرب فيه بالتحديد عن أسف الشعب اليمني واعتذاره على الهجمات التي شنت ضد مبنى السفارة الأمريكية في صنعاء.
 
وقال العقيد أبو لحوم بأن أحمد العواضي الذي كان مسؤولاً عن خروج المظاهرات هو أحد أفراد المجموعة العميلة لمصر والتي تشكل أقلية صغيرة لا تمثل الشعب اليمني مطلقاً. وأضاف العقيد أبو لحوم قائلاً بأن العواضي "رجل خواف لا يجرؤ على المشي في الشوارع دون حماية". وعندما سأل السيد كونيلان: لماذا يقوم المصريون بدعم رجل مثل العواضي الذي شن هجوماً على اتفاقية جدة؟ أجاب العقيد أبو لحوم بأن المصريين يقومون بدفع الأموال باستمرار للعواضي وباقي العملاء من أجل الاستفادة منهم في المستقبل. وكان العقيد أبو لحوم وآخرون قد ناقشوا إمكانية تنظيم مظاهرة مضادة، لكن الوقت لم يسعفهم على القيام بذلك قبيل انعقاد مؤتمر حرض. إضافة إلى أن عملاء مصر يمكن التخلص منهم لاحقاً.
 
وقد أجاب السيد كونيلان بأن الكثير من اليمنيين مثل أبو لحوم قد عبروا عن أسفهم تجاه ذلك الحادث، كما عبروا عن تعاطفهم مع السفارة، وقال إنه متأكد بأن تلك المشاعر تمثل المشاعر الحقيقية للشعب اليمني.
 
كما طمأن العقيد أبو لحوم بأن حفنة صغيرة من اليمنيين مثل العواضي لن تنجح في إخراج البعثة الأمريكية من اليمن. وقال العقيد أبو لحوم بأن أخاه الشيخ سنان أبو لحوم سوف يتوجه من عدن إلى جدة لكي يقوم بتنظيم "الجمهوريين المستقلين" أو ما يسمى بمجموعة الطائف الذين سوف ينضمون إلى مؤتمر حرض.
 
وفي نفس الوقت سوف يتحدث الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر مع الشيخ الغادر والشيخ العوجري في صعدة. وكان الأحمر قد غادر صنعاء في 6 نوفمبر، ولا بد أنه كان يقوم بالتشاور مع الغادر والعوجري في هذه اللحظة بالذات. وأوضح العقيد أبو لحوم في إجابته على مجموعة من الأسئلة بأن الجيش المصري قد قام بنقل الشيخ الأحمر جواً إلى صعدة كما أوضح بأن المشاركين في مؤتمر حرض كان من بينهم 25 من الجمهوريين، و20 من الملكيين، إضافة إلى خمسة من الجمهوريين المستقلين. ولم يستطع أو لم يقم أبو لحوم بإعطاء المزيد من المعلومات أو الإيضاحات باستثناء القول بأن القبائل الشمالية تعتبر تسمية اليمن بدولة اليمن الإسلامية مناسبة جداً. وأفاد أبو لحوم بأن السبب الرئيسي لمجيئه إلى السفارة لم يكن فقط للتعبير عن أسفه لخروج المظاهرة وإنما ليقترح القيام باتصالات أقوى بين السفارة الأمريكية ومشائخ اليمن الشمالي.
 
وعندما سئل أبو لحوم: أين ستتركز السلطة في اليمن بعد خروج القوات المصرية؟ أجاب بأنها لن تكون في الجنوب حيث يذهب الدعم الأمريكي، بل إنها ستكون في الشمال. وعندما سئل: من الذي سوف يسيطر على اليمن؟ أجاب: الذين سوف يسيطرون على اليمن هم مشائخ الشمال، وبعض ضباط الجيش.
 
وأفاد أبو لحوم بأنه يسعى إلى تأسيس علاقات بين الأمريكان وممثلي القبائل الشماليين. وذكر ستة مشائخ قال بأنه يستطيع تعريفهم على مسؤولي السفارة، وكان يعتقد بأنه من الواجب على مسؤولي السفارة التعرف على عدد أكبر من ضباط الجيش اليمني.
 
(تعليق: تم التوقيع على اتفاقية الطائف من قبل خمسة على الأقل من أولئك المشائخ الستة). وقد عبر السيد كونيلان عن استعداده للقيام بذلك. وتم الاتفاق على أن يعود العقيد أبو لحوم خلال يومين بصحبة أصدقائه من مشائخ القبائل.
 
علاوة على ذلك، قام العقيد أبو لحوم بذكر أسماء ستة من ضباط الجيش اليمني برتبة عقيد بناء على دعوة من السيد كونيلان وذلك كي يتم دعوتهم لحضور حفل الاستقبال الخاص بالملحق العسكري للسفارة الذي سوف يتم تنظيمه الأسبوع القادم.
 
برقية موجهة إلى وزارة الخارجية الأمريكية
مصدرها: السفارة الأمريكية - تعز.
مع نسخ موجهة إلى البعثات الدبلوماسية الأمريكية في: القاهرة، جدة، وعدن، سينسترايك.
التاريخ: 20 نوفمبر 1965م.
 
الموضوع: ضابط في الجيش اليمني يقترح إمكانية تأسيس علاقات بين المشائخ والضباط بتأييد أميركي
 
اقترح العقيد علي أبو لحوم، وهو أخَ الشيخ سنان أبو لحوم الذي يعتبر شيخاً جمهورياً بارزاً في جلسة نقاش معه، إمكانية قيام علاقات سياسية جديدة بين زعماء القبائل الزيدية في الشمال وقيادات الجيش الجمهوري التي فقدت مصداقيتها إلى حد كبير. حيث يقوم علي أبو لحوم وأخوه ببذل جهود لتحقيق هذه الغاية، ويبدو أنهما يأملان في الحصول على تأييد أميركي.
 
وقد جاء العقيد علي أبو لحوم إلى فرع مكتب السفارة الأمريكية في صنعاء ليعبر على ما يبدو عن أسفه وأسف أخيه للهجوم الغوغائي الأخير على مبنى السفارة. كما أنه -على حد قوله- جاء أيضاً لكي يقوم فعلياً "بتأسيس علاقات بين زعماء القبائل الشماليين والسفارة الأمريكية". وأثناء مواصلة النقاش ذكر أبو لحوم بأن أخاه كان في طريقه إلى جدة ليقوم بتنظيم ما يمكن أن يطلق عليه اسم "تكملة الطائف" لمؤتمر حرض. (حيث قسم العقيد التمثيل الخاص بالمؤتمر إلى 25 جمهورياً و20 ملكياً و5 جمهوريين مستقلين). وقال أيضاً بأن الشيخ ابن الأحمر سوف يلتقي بالشيخين الغادر والعوجري في صعدة وكلاهما مناوئين للجمهورية. كما تحدث أيضاً عن الملاحظة المنطقية التي تتردد على المسامع حتى اليوم والمتعلقة بالدعم المصري المستمر لمثيري أعمال الشغب مثل العواضي (الوزير السابق لشؤون القبائل)، وشعلان النائب السابق لوزير شؤون الجنوب اليمني المحتل اللذين يعارضان علناً اتفاقية جدة.
 
ويرى العقيد أبو لحوم أن المصريين لا يريدون تنفيذ اتفاقية جدة. ويعتقد أن الجمهورية العربية المتحدة تقوم باستمرار بدفع أموال للعواضي ورفاقه كما تمنحهم بعض حرية التحرك من أجل الاحتفاظ بولائهم لتحقيق أغراض أخرى في المستقبل.
 
ولكن فحوى حديث العقيد أبو لحوم كان يتعلق بمستقبل اليمن في ظل حكم القيادة القبلية الشمالية. حيث ذكر أسماء زعماء القبائل الذين يتمتعون بنفوذ قبلي (وجميعهم ينتمون إلى مجموعة الطائف)؛ إضافة إلى أنه عرض أن يقوم بتعريفهم على مسؤولي السفارة الأمريكية. كما ذكر أسماء عدد من ضباط الجيش اليمني الذين يجب أن تلتقي بهم السفارة الأمريكية.
 
وأوضح السيد أبو لحوم بأنه تلقى التدريب العسكري في العراق، وأنه كان ضمن القوة التي استولت على محطة الإذاعة ليلة قيام الثورة، وأنه أصيب بتسع طلقات نارية منذ بداية الثورة، كما أصيب بجروح خطيرة في رجليه. وأضاف أن أخاه سنان أبو لحوم هو زعيم الفصيل الجمهوري في قبيلة نهم الواقعة في شمال شرق العاصمة صنعاء والتي –طبقاً لمصدر مصري- تقاسمت الولاء بين الجمهوريين والملكيين مثلها في ذلك مثل قبيلة الحدا التي يتزعمها علي بن ناجي القوسي. إضافة إلى ذلك كان سنان أبو لحوم وزيراً في أغلب الحكومات الجمهورية منذ قيام الثورة، إلى جانب أنه تخلى عن ولائه للرئيس السلال بعد حدوث خلافات شديدة بينهما في ربيع هذا العام وذلك أثناء عهد أحمد نعمان. كما أنه فر إلى السعودية، وكان أحد الموقعين على اتفاقية الطائف. (ومنذ ذلك الحين كان هناك تقارير متضاربة حول ما إذا كان قد تم إلقاء القبض عليه في اليمن أو أنه فر منها). كما أن بنت سنان أبو لحوم كانت زوجة السفير محسن العيني. وهو ذاته (أبو لحوم) يعتبر قبيلياً لكنه كما يقال يحترم ويقدر المثقفين الشباب من أبناء اليمن مثل زوج ابنته. (أرسلت السفارة برقية عاجلة لاحقة للخارجية توضح فيها أن هناك خطأ وأن السيدة المقصودة هي أخت سنان أبو لحوم وليست ابنته).
 
تعليق:
ينظر عادة إلى مجموعة القيادة العسكرية الجمهورية للجيش اليمني على أنها تتألف من السلال وحسن العمري ومحمد الرعيني والمؤيدين بشدة لمصر مثل جزيلان، وضيف الله، والأهنومي. وجميع أولئك القادة مع إمكان استثناء الرعيني كانوا مرتبطين بالهيمنة المصرية، وإخفاقات الجمهورية. ولكن كان هناك أيضاً القليل من الضباط الكبار مثل المقدم صبرة القائد العسكري لمحافظة الحديدة، وهو نجل عبد السلام صبرة (سياسي جمهوري محنك آخر)، والذي يحتمل أنه كان يتمتع بروابط قبلية وثيقة. ومع الأخذ بالاعتبار الروابط الأسرية والقبلية للمجتمع اليمني فإنه يبدو من المعقول الاعتقاد بأنه ربما يكون هناك عدد من ضباط المستوى المتوسط الذين بإمكانهم تشكيل نواه لقوة أمنية يمنية داخلية ويمكنهم تشكيل شراكة أصغر في حكومة قبلية.
 
توقيع
كلينورد كوينلان
السكرتير الأول في السفارة الأمريكية
عن القائم بأعمال السفير.
 
أبو لحوم يعقب:
كان آخر ما نحتاجه هو الخلاف مع أمريكا
الأخ رئيس تحرير صحيفة "المصدر" المحترم
اطلعت على الوثائق المنشورة في صحيفة "المصدر"، نقلاً عن وثائق أمريكية واستغربت منها، وبرغم طول الفترة وطبيعة اللقاء الذي تم في مرحلة حرجة بل من أحرج المراحل في تاريخ اليمن الذي كان الهم الأساسي لنا جميعاً هو ترسيخ الثورة والجمهورية، وآخر ما نحتاجه هو الاختلاف مع الولايات المتحدة، أو غيرها من الدول.
 
أنا على ثقة بأن حدة الموقف وتصاعد المظاهرات في تلك الفترة، قد تكون صعدت في التعبير وبولغت في الفهم، مما أدى للبس حول ما تضمنته الوثيقة.
 
حيث ومواقفي أنا والمرحوم الشيخ أحمد العواضي كانت متطابقة وواضحة في الدفاع عن الثورة والجمهورية فهو موجود في مقالات عديدة كتبتها، ومذكراتي تشهد بذلك، لقد كنا رفقاء درب ومصير ودور أبطال البيضاء وغيرهم ناصعة ومشرفة.
 
وأؤكد أن ما يربطني مع آل عواض والبيضاء عميق وراسخ كما كان في الماضي والحاضر وسيبقى في المستقبل.
 
اللواء/ علي أبو لحوم
 
هذه الوثائق خاصة بالمصدر أونلاين ولا يسمح بإعادة نشرها.

شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك