اعتقالات في أوساط «الهاشميين» عقب اغتيال الإرياني والسلطات المصرية تسجن العمري ومسئولين يمنيين في القاهرة

النعمان يواجه الشامي في مؤتمر حرض بصورة تجمعها في سجن الإمام

 

يتمتع الأميركيون بصفة إيجابية يفتقر إليها كثير من أبناء الشعوب والثقافات الأخرى، وهي أنهم يسمون الأشياء بأسمائها، مهما كانت الأسماء موجعة. فكما رأينا في الوثائق المنشورة في الحلقة الماضية، حيث أحصى دبلوماسي أميركي عدد الوزراء "الشوافع" في حكومة النعمان بالمقارنة مع أقرانهم من الطائفة الزيدية، مستخدما مصطلحات نسميها نحن طائفية، ولا نقولها علنا في خطابنا السياسي اليمني ولكنا نمارسها واقعاً.

وفي هذه الحلقة تتضمن إحدى الوثائق تقريراً عن اعتقالات في صفوف الهاشميين، جرت في منتصف الستينات من القرن الماضي. وما أشبه الليلة بالبارحة، فأثناء الصراع الأخير في صعدة، جرت اعتقالات في صنعاء استهدفت بعض أبناء هذه الشريحة الاجتماعية وأطلقت عليهم السلطة تسمية الحوثيين، في حين أن السلطة نفسها تدرك أن غالبية المعتقلين لاعلاقة لهم مطلقا بحركة الحوثيين وأن تهمتهم الحقيقة كانت ومازالت انتماءهم "السلالي" وليس السياسي. ومن هنا فلا غرابة لو قرأنا بعد ثلاثين عاماً تقريراً سرياً أميركياً يسمي الأشياء بأسمائها ويقول أن سلطات الرئيس علي عبدالله صالح شنت حملة اعتقالات واسعة في صفوف الهاشميين في عاصمة البلاد، وبعض المعتقلين هم من أولاد المسؤولين من مستشاري الرئيس صالح، جرى اعتقالهم من أجل الضغط على آبائهم. 

 
ومثل هذه التسميات من الصعب العثور عليها في مصادر أخرى، خصوصا تلك المصادر التي تحاول تجميل الممارسات القبيحة في الماضي والحاضر.
 
وجاء التقرير المشار إليه الذي يعود إلى عام 1966 عقب اغتيال وزير الإدارة المحلية آنذاك عبدالله الإرياني الذي ينتمي إلى شريحة القضاة أو الفقهاء المنافسين لشريحة " السادة"، وكلا الشريحتين تنتميان للطائفة الزيدية، وبينهما خصومة اجتماعية، تتخذ أشكالا من التنافس الإيجابي تارة والسلبي تارة أخرى. والمتهم بالقتل -حسب ما أشارت إليه الوثيقة- هو عبدالوهاب الوشلي وهو متعاطف مع الشيوعيين، ولكن كاتب الوثيقة يستغرب أن السلطات اتهمته بالتواطؤ مع الرجعيين بناءً على أدلة اطلع عليها السفير المصري في صنعاء. 
 
وفي وثيقة أميركية أخرى ننشرها في هذه الحلقة، رواية عن موقف مثير للإعجاب واجه به الأستاذ الراحل أحمد النعمان زميله في الكفاح ضد الإمامة أحمد الشامي، بعد أن وجد النعمان أن رفيقه في سجن حجة أصبح يمثل الطرف الذي ناضلا سوياً من أجل التخلص منه وهو الاستبداد الإمامي، فأخرج النعمان صورة تجمعه مع رفيقه الشامي في السجن، مذكراً إياه بأيام المعاناة، ومخاطبا إياه بطريقة أدت إلى استقطاب المزيد من التعاطف لموقف الجمهوريين في مؤتمر حرض. وهذا الأسلوب المبتكر ليس غريبا على من قرأ عن النعمان، ولكن الغريب هو أن يهتم الدبلوماسيون الأميركيون بتسجيل تفاصيل جانبية مثل هذه وتوثيقها في تقارير ترسل إلى مقر الخارجية وتوزع على سفارات أميركية أخرى. 
 
ويدل هذا الاهتمام على أهمية المعلومة لدى الدول العظمى مهما كانت جانبية، لأن المواقف الجانبية الصغيرة، تكشف الكثير من ملامح الشخصيات الكبيرة، والرجال الكبار. وقبل أن نورد الوثيقتين المشار إليهما، سنبدأ بوثيقة صادرة من السفارة الأميركية في القاهرة تتحدث عن اعتقال الفريق حسن العمري ومجموعته في القاهرة. ويبدو أن الوثيقة أرسلت قبل أن تتضح الصورة عن أسباب الاعتقال وأسماء المعتقلين وأماكن اعتقالهم، ولكنها تؤكد أن الأميركيين كانوا يولون الأحداث الجارية في اليمن أهمية بالغة ويتابعونها أولا بأول بدقة متناهية.
 
في ما يلي الوثائق الثلاث:  
 
اعتقال العمري في القاهرة
برقية سرية من السفارة الأميركية في القاهرة إلى واشنطن
تاريخ البرقية: 29 أكتوبر 1966
نسخ من البرقية إلى البعثات الأميركية في جدة، لندن، وتعز
موضوع البرقية: جمهوريون يمنيون سجناء في القاهرة 
 
نص البرقية:
" أبلغنا دبلوماسي ليبي في 27 أكتوبر أن رئيس الوزراء السابق العمري وجمهوريين يمنيين آخرين أصبحوا معتقلين في حلوان في مجموعة فلل مملوكة للقوات المسلحة المصرية. وطلب الدبلوماسي الليبي معرفة ما إذا قد جرى نقلهم إلى اليمن أم لا.
وكان حسن صبري الخولي مستشار الرئيس المصري قد أبلغنا سابقاً أن الجمهوريين اليمنيين، أو على الأقل العمري، سيتم إبقاؤه في القاهرة بدلا من إرجاعه إلى اليمن، وذلك من أجل الحفاظ على حياته.
التوقيع: باتيل. 
 
اعتقالات تستهدف الهاشميين عقب اغتيال الإرياني
تقرير سري صادر من البعثة الأميركية في تعز إلى وزارة الخارجية في واشنطن، مع نسخ إلى السفارات الأميركية في كل من القاهرة، جدة، ولندن.
كتب التقرير ووقعه السكرتير الأول بالسفارة الأميركية لي إف دينسمور.
تاريخ التقرير: 27 أبريل 1966
الموضوع: أنباء عن اعتقالات وكشف خطط تآمرية عقب اغتيال عبدالله الإرياني. 
 
نص التقرير: 
" انتشرت أنباء في صنعاء عن اعتقالات في أوساط " السادة": أشخاص يتصل نسبهم بالنبي محمد، وينظر إليهم من الناحية السياسية كجماعة محافظة. وحسب الأنباء الواردة إلينا، فإن الاعتقالات جاءت بعد اغتيال وزير الإدارة المحلية عبدالله الإرياني في 13 أبريل 1966. وبالنسبة للدبلوماسيين والمراقبين الغربيين للمشهد السياسي في صنعاء، فإن هذه أنباء محيرة. ولكن يبدو أنها منتشرة بشكل واسع، لدرجة يمكن تصديقها. وتدعي الأنباء المتداولة أن هؤلاء العناصر المحافظين المتهمين بمعاداتهم للجمهورية، يعتقلون حاليا بسبب تآمرهم على الجمهورية، وتعاونهم مع " الإمبريالية". وهي قصص تفتقد إلى المصداقية. ومع ذلك فإن الحكومة لم تتوان عن تلفيق تهم ومزاعم عن شبكة من المؤامرات.
 
وربما أن هناك مسعى لشنق بعض الأشخاص الذين يفضل أن يكونوا بارزين ومؤيدين لعودة العناصر المحافظة إلى الحكومة اليمنية، خصوصا أولئك الذين تجمعهم أشياء مشتركة مع النظام ومقبولون من السعوديين في آن واحد. ولكن الربط بين عبدالوهاب الوشلي، المتهم بقتل الإرياني (الوزير)، مع من يسمونهم " الرجعيين" أمر يصعب على أي دبلوماسي فهمه لأنه معروف بتعاطفه مع الشيوعيين. وهذا ربط من قبيل الخيال أوالحيل السياسية. وإذا كانت حكومة الجمهورية العربية اليمنية الآن تعتقد بأن لديها أدلة حسب ما أبلغنا إياه السفير المصري أحمد شكري، بأن الوشلي ارتكب جريمة القتل بأمر من منظمة ما، ويشير ضمنيا إلى منظمة محافظة (إنظر إلى برقيتنا من تعز رقم أي 334 بتاريخ 27 أبريل 1966) فإننا نتساءل عما إذا كانت السلطات نفسها أدركت أن الوشلي كشيوعي ربما يكون قد ترك أدلة مضللة، لتوريط أعدائه في جريمة قرر هو شخصيا أن يرتكبها في كل الأحوال، لأنه كان غاضباً من صلة الإرياني باعتقاله وسجنه.
 
النعمان يواجه الشامي في مؤتمر حرض
برقية صادرة من البعثة الأميركية في تعز إلى وزارة الخارجية الأميركية، مع نسخ إلى البعثات الأميركية في القاهرة وجدة ولندن وعدن وطهران ومقر الأمم المتحدة في نيويورك.
تاريخ البرقية 22 يناير 1966
الموضوع: نعمان يواجه الشامي في حرض بصورة تجمعهما في سجن الإمام
 
النص:
روى موظفان يمنيان في وزارة الاقتصاد بحكومة ج.ع.ي، القصة الطريفة التالية عن واقعة بين أحمد الشامي رئيس وفد الملكيين، وأحمد النعمان العضو البارز في الوفد الجمهوري لمؤتمر حرض. أثناء المشاورات بين ممثلين عن الجانبين يحاولون كسر الجمود وإخراج المؤتمر من الطريق المسدود، أخرج النعمان من طرفه فجأة صورة تجمع بينه وبين الشامي كسجينين سياسيين في حجة أثناء عهد الإمام أحمد. وأراد النعمان بذلك وفقا للرواية، تذكير الشامي بمعاناتهما الشخصية أثناء الاستبداد الإمامي. ونجم عن هذا التصرف نوع من التعاطف مع موقف الجمهوريين داخل المؤتمر.
التوقيع عن القائم بالأعمال
روسكو إس سودارث
السكرتير الثاني بالسفارة
 
هذه الوثائق خاصة بالمصدر أونلاين ولا يسمح بإعادة نشرها.

شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك