الأحزاب السياسية إلى متى الغياب!

غياب العمل السياسي والتنظيمي للأحزاب السياسية خلال السنوات الماضية أنتج وضعاً ملتبساً وبوصلة غير مضبوطة في مجمل الأوضاع، ولو أن الأحزاب السياسية مهما كانت المعوقات والمخاطر استمرت في نشاطها وفعاليتها المنوطة ولو بالقدر الممكن والضعيف لما طرأت على المشهد كل هذه التشوهات والكيانات والحركات الطارئة ، المنفلتة تارة والوهمية تارة أخرى.

وبالنظر إلى مخرجات هذه الكيانات والمجموعات الناشئة لم تجد في أيٍ منها ما يبعث على الاطمئنان لا على المدى القريب ولا البعيد، إذ اعتمدت في الغالب العصبوية بجهويتها وجغرافيتها أساس انتمائها وكينونتها، وفي نماذج أخرى مشابهة طرأت حركات ومجموعات منغلقة ومشبوهة بأفكارها المتطرفة، وقد مثلت إساءة وقلقاً حقيقياً لحاضر ومستقبل البلد، إذ أن الظروف الدامية بعد الإنقلاب والمقاومة الشعبية التي تصدت له هنا وهناك والدعم المباشر والمرتبك الذي تلقاه المقاومون للإنقلاب من الأشقاء في التحالف لهم كل التقدير والإمتنان على مساندتهم وبغض النظر عن الملاحظات، ساهم بقدر كبير في بروز ثغرات محدودة وقد أظهرتها مراحل ما بعد إعادة تشكيل نواة الجيش الوطني وتنظيم مسرح العمليات والقيادة في المحاور والمناطق العسكرية النظامية.

وللأسف انبرت نسبة معينة من إجمالي فصائل المقاومة وقد تغلب عليها الطابع السياسي المزعوم بجوهره الديني والمناطقي والجهوي والقبلي ولم يعد لديها من فارق بين الإنفلات والفوضى والإنضباط والدولة، وبين مصلحة الجماعة والممول وبين مصلحة الوطن والدولة والشعب، وشهدنا ممانعة من الإستجابة والتفاعل لانخراط بعض الفصائل في عملية دمج المقاومة في الجيش الوطني بعد تشكيل النواة، فيما هناك حالات معينة من هؤلاء وقفوا في المنتصف في محاولة للظهور بوضع متوازن ما بين الدولة ومؤسساتها وبين الأجندات الأخرى التي تشدها دون ذلك، وهنا يأتي دور تسويق التبريرات والمعاذير الحقة والباطلة. 


بينما في نهاية المطاف لا هذة الكيانات والحركات والجماعات بأنواعها قدمت نفسها بديلاً للأحزاب بوضوح ودراية ومنطق، ولا حتى أظهرت بقدرٍ ما إمكانية تحولها إلى بديل أو ند سياسي مستقبلاً، بل بقيت تدعي السياسة في جانب وتناور بها وتحمل السلاح لفرض أجنداتها ورغباتها في جانب أخر وتستهدف السياسة والدولة وتشوهها.

وقد يقول قائل إنه حتى كثير من أطراف المقاومة قادمة من مكونات سياسية وفعاليات جغرافية واجتماعية وهذا صحيح ، إلا أن القياس هنا يكمن في مدى القابلية والإنخراط في أطر الدولة ومؤسساتها والإنقياد لضوابطها، وهنا الفرق والقيمة، مع أني أرى أن أغلب ضباط وأفراد منتسبي الجيش الوطني بعيدون كل البعد عن أية انتماءات حزبية وتنظيمية وجلهم شباب نشأوا خلال السنوات الماضية أثناء ما كانت الأحزاب السياسة خارج حساباتها مسألة العمل التنظيمي البحت، وبالذات من بعد العام ٢٠٠٦م وقد كان كل همها حشد الشباب والناس كموقف وقضية ومصلحة عامة وفضلت رسم علاقتها بالناس تحت عناوين ولافتات وتحركات ومواقف معينة، بمعنى يجمعنا القضية والهدف وليس الحزب والتنظيم، وذلك يندرج ضمن أخطائها وغيابها.

ولو ذهبنا للتدقيق في صوابية هذه الجزئية لوجدنا مثالاً حياً على أن الفراغ الذي تركته الأحزاب جميعها في موضوع العمل التنظيمي والجماهيري والتنشئة الفكرية من قبل أكثر من عشر سنوات، كان بمثابة فرصة سانحة ومكسب لصالح الاستقطابات الحوثية وما شابه، وها نحن دفعنا الثمن بلا استثناء، فلا الأحزاب طلبت الفائدة ولا حافظت على رأس المال، أي أن الهوة الموجودة بين المستويات التنظيمية للأحزاب مع بعضها سمحت لعمليات الاختراق الضدية أن تنخر عميقاً في بُنى الأحزاب.

بفعل الغياب والركود الذي بدت عليه الأحزاب السياسية في المحافظات والمناطق نتيجة الشلل الاختياري الذي أصيبت به في مستوياتها ومراتبها المركزية والأدنى لم يكن حال المنظومات الحزبية وتأثيرها وحضورها متماسكاً ومتخففاً من الإلتباس والتوهان والشتات والتناقضات والأمزجة الشخصية لقياداتها وأعضائها في المواقف والاستقطابات وبلا ضوابط ولا محددات عامة وخطوط سياسية توجه خطاباتها وخياراتها مع كل شاردة وواردة، في مبعث خطير ومخجل وبلا قيمة.

مهما كانت التحديات والظروف القائمة والتي أفرزها يمن ما بعد الإنقلاب والحرب إلا أن ذلك لا يعفي الأحزاب السياسية متمثلة في قياداتها المنتخبة وأطرها التنظيمية المؤسسية ودورها المفترض من المسؤولية في كل ما حدث ويحدث وكل ما هو قائم وقادم على مستوى اليمن كلياً، وهل من المعقول انتظار الأحزاب حتى يأتيها الوحي من السماء لتنهض من السبات والتقاعس وتقول هاأنذا يا وطن؟

ومن متى كانت الأحزاب السياسية تأخذ الموافقة او التوجيهات من السلطات لتقوم بدورها ؟
 وهل غياب المؤسسات السياسية وركونها جانباً يتناسب مع حال بلدانها في أخطر وأقسى المراحل والمحطات التي تمر بها الحياة.. ما بالك بأم الكوارث وأشدها وهي الحروب؟ ومن المفترض والمعني بتصدر المشهد إثر غياب الدولة أو انهيارها قبل الأحزاب السياسية؟

لا اعتقد أن الأحزاب السياسية قتلت إلى الحد الذي يجعلنا نعفيها من المسؤولية في كل هذا.. ولا يمكن أن التعقيدات والمخاطر والملفات الشائكة والصعوبات أكبر من الأحزاب إذا صدقت وحضرت وخاضت غمار النضال والتضحيات، وحتما ستنجح.

أحزاب عريقة ومخضرمة أقلها بعمر متقدم على أكبر كبير في عصابات الخراب والعنصرية والإجرام كيانات وأشخاص، وتحوي في بناها التنظيمية كفاءات وخبرات وقدرات وأبطال وقادة يملؤون الدنيا عطاءً ويشتد بهم الوطن ويفخر بهم الزمان .. تحركوا وثقوا بأنفسكم وأحزابكم ورفاقكم ورؤاكم ولن تهزموا.

اليمن والجمهورية والمواطنة والعزة والكرامة والحكم لن يعود لكم ولنا بالعافية .. ولا بـ "اف 16" لوحدها ولا بمبعوث أممي ولا بتغريداتكم ومنشوراتكم وتيهكم، سيعود كل شيء ولكن بعقول وقلوب وسواعد الرجال وعزيمة الانتصار وإرادة الأحرار وأنتم القادة والعقل والفعل والشعب إن كنتم لا تعلمون.


* المقال خاص بـ"المصدر أونلاين"


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك