عن الشرعية الملتبسة

كلما تراكمت الأزمات وزاد الواقع انسدادًا، ينبعث الحديث مجددًا عن جوهر "الشرعية" كفكرة دستورية وما إذا كان الإقتراب منها يُشكل مدخلًا لكسر الواقع المسدود والإتيان ببدائل قادرة على تحريك الواقع أم لا، والمقصود بالبدائل هنا، بدائل على مستوى الشخصيات وتحديث مؤسسة الرئاسة باستبعاد رأس هرمها وما قد يوفره الأمر من مخارج جديدة للمشكلة والدفع باتجاه استعادة الدولة أو تسوية الصراع.

ومع أن أغلب الدعوات لإزاحة هادي، تأتي كمقترحات من جهات مشكوك بدوافعها، إلا أن هذا لا يلغي أن بقاء الأزمة عالقة دون أي مخارج ممكنة، سيجعل من التفكير بإزاحة الرجل، مقترحًا يحمل قدرا من الوجاهة، باعتبار الرئيس عاجز، ويتقلص الإجماع عليه كل فترة أكثر، كما أنه فشل في تحقيق أي اختراق ينهي حالة الانسداد ويختصر الطريق نحو انهاء معاناة اليمنيين.

قبل فترة قلت إن بقاء هادي في الرئاسة بات لعنة مؤكدة، وإزاحته لعنتين متحققتين، إنه وجود معطوب بلا أي أمل مرجو منه، كما أن إصلاحه أمر متعذر أيضًا، إلا أن إسقاطه مجازفة مكتملة أيضًا.

مجازفة على صعيد خلخلة فكرة الشرعية ذاتها وتقويض أساسها الدستوري، مهما كانت الطريقة التي ستُصاغ بها تخريجة إزاحة الرجل.

إن أحد أهم الفوراق المعتبرة بين هادي وكل القوى التي تنازعه شرعيته، هو أن الرجل يمثل القوة الوحيدة التي تتمتع بغلاف دستوري لا يمكن التشكيك به مهما بلغ ضعف الشرعية الواقعي، وبالتالي حالما تم استبداله ستكون أي شخصية بديلة تقف نسبيًّا على أرضيه متقاربة مع الشخصيات المناهضة لها.

ويقع على رأس هذه القوى الحوثي، فهو الجماعة الأولى في البلاد التي تبسط على جزء كبير من الأرض وتتمتع بثبات في سيطرتها، لكن عنصر ضعفها الأكبر هو افتقادها لأي تأطير دستوري معترف به، وهو ما يجعل من إزاحة هادي مقترحاً جيداً للحوثي، يخفض قلق المشروعية لديه ويجعله يسوق نفسه كشرعية عملية بديلة، لا تختلف عن نظائرها بل ربما تتفوق عليهم في التوافق والتجانس الداخلي الكبير.

وبالعودة لشرعية الرئيس والجدل القديم والمتجدد حول موثوقيتها، فمن المهم التذكير أن فترة ولاية هادي غير محددة بزمن، إنها شرعية سائلة مثل شخصيته تمامًا، وسيولتها لا تلغي صفتها الدستورية، لكن سلوكها الواقعي وتراكم المشكلات حولها، لا شك يضعف تمثيلها لهذه المشروعية ويعرضها لمخاطر الإندثار.

إن هادي كائن غامض، يصعب التكهن بتصرفاته كثيرًا، وكذلك الحال بالنسبة لفترة ولايته، حيث يصعب تحديدها والفصل بنهايتها بشكلٍ قطعي، فما دامت ولايته مرتبطة بإنجاز متطلبات المرحلة الإنتقالية، فهذا يعني أن إسقاطه تجاوز لشرط أساسي لم يتحقق بعد، وهو شرط انهاء الإنقلاب والدعوة للإستفتاء على الدستور وصولا لإجراء الانتخابات وتسليم السلطة للشخصية البديلة.

صحيح أن أداء الرئيس البطيء وإدارته المرتبكة وإخفاقاته، سبب أساسي في تأخر استكمال عملية التحول، وهذا ما قد يمنح البعض الحق في التفكير بوضع حدٍّ لولايته، واستكمال ما تبقى من مهام تحت إمرة شخصيّة أكثر حيوية وملائمة لروح المرحلة.

إلا أن المطالبة بإسقاطه وكما أسلفنا خيار محفوف بالمغامرة، وحركة خطيرة سوف تضعنا أمام مأزقٍ دستوري مشابه لحالة الانقلابيين، ناهيك عن أن هادي ليس كلّ المشكلة، والقادم الذي سيخلُفه قد لا يتمكن من استعادة زمام المبادرة كلها، ما دام العطل يكمن في منظومة مؤسسة الرئاسة وفريق الحكومة بشكلٍ كامل وسياساتهم، وليس في شخص الرئيس المعطوب فحسب.

وعليه فمهما كان البديل متخففاً من الأعباء ومتجاوزاً لكل اختلالات هادي الذاتية وطريقة إدارته، إلا أن قدرته في السيطرة على كل التناقضات داخل معسكر الشرعية، ونجاحه في تشكيل حالة توافق وانسجام أكبر، يبقى احتمالًا ضعيفًا بالنظر للموروث الثقيل وحالة التشظي في أطراف الشرعية وصراع المصالح والأقطاب، وتداخل كل ذلك مع أطماع الخارج ومحاولاتهم فرض واقع جديد في البلاد.

* المقال خاص بـ"المصدر أونلاين"

شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك