أربع صفحات من القرآن !

الأهل حاضرون حول مائدة الإفطار أو أمام شاشة التلفاز. والكثير من الأنس حاضر أيضاً، والحديث الودي يمتد ويمتد محروساً بالكثير من الحب والمزاج المتسامح، لكنه لن يمتد هكذا إلى مالانهاية، فهناك دائماً السؤال المشكل الذي سيتطوع به أحد الأهل بحسن نية، وسأحمل وحدي عبء الإجابة عليه كما حدث أكثر من مرة.

"كم قرأت من القرآن؟" . "عشرة أجزاء " ستجيب أمي، وسيقول أخي ضعف ذلك، وسيتراوح بينهما أخي الآخر، ولدى بقية أفراد الأسرة كذلك رقم جيد يقدمونه. أما أبي فهو خارج المنافسة لأنه يقرأ القرآن كل يوم تقريباً طوال العام ولأنه صاحب السؤال أصلاً في أكثر الأوقات.

ستتتحول العيون نحوي، سأتوتر، وستحمر أذناي. هكذا كان الحال في الرمضانات الأخيرة.

هل أقول "4 صفحات" وأواجه خيبة أبي المعهودة؟

4 صفحات فقط في عشرة أيام؟

هل أكذب و أقول "عشرين جزءً" وأنجو من محاضرات شقيقي الأكبر التي ستنصب على رأسي لبقية الشهر؟

لقد جربت الإحتمالين سابقاً، ولم أحدد حتى الآن ما سأقوله فيما يخص هذا العام. لا يزال السؤال معلقاً منذ بداية الشهر ولا أدري في أي مائدة أو مقيل سيهبط فوق رأسي.

هناك الكثير لأجيب به على سؤال أحد الأهل لماذا لا أقرأ كثيراً. وربما لهذا السبب، لأن الإجابة كبيرة، أختار السكوت دائماً واحتمال الخيبة.

أول ما يخطر في بالي للرد على هذا السؤال هو أصعب ما يمكن أن يتفهمه السائل.

هذا السؤال لا يجب أن يطرح أساساً، على الأقل لا يجب أن يطرح بذلك المزاج المتعالي المتأهب للإدانة.

دعني أقرر أنا كم أقرأ من القرآن ومتى. هذا شأني والأجر سينالني وحدي. هذه النقطة تبدو بديهية جداً. لكن هل هي كذلك؟

((إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء)) ، ((وكل آتيه يوم القيامة فردا )) ، ((قل ما ينفع لكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم )) . لا أقول إنني محيط بتفسير هذه الآيات، لكن مبدئياً أشعر أنه من شأنها أن تخفف من استهداف عبادة الآخرين بالإلزام والرقابة.

أليس غريبا أن تسقط هذه الآيات من ذهن من يختم القرآن ست مرات في كل رمضان؟

التحدث بهذه الطريقة وحده كفيل بأن يثير مزيداً من الشك الأسري حول إيماني من الأساس، ولن يفضي سوى إلى مزيد من الرقابة على مقدار قراءتي للقرآن في هذا الشهر، حتى وإن تحولت إلى رقابة صامتة. آخر ما أحتاجه هو هذه العيون اللائمة والعاتبة داخل جدران بيتنا في زمن الحجر الصحي.

بعد أن أضمن أولاً حريتي في العبادة عموماً، يمكن أن أشرح شيئاً عملياً عن سبب تعثري الدائم في "سباق" قراءة القرآن في رمضان.

أحتفظ في هاتفي بمقاطع فيديو لبعض نصوص القرآن بأصوات جميلة ومرفقة بترجمات إلى الإنجليزية. تساعدني الإنجليزية في تحديد معاني بعض المفردات الغير مألوفة لدي، وهي كثيرة جدا في القرآن الكريم، وحين أقرأ من المصحف أضطر كثيرا للعودة إلى معجم عربي ونادراً ما أفلح في العثور على معاني محددة بشكل سريع . لا أدري حتى الآن كيف يتعامل مع ذلك هؤلاء الذي يتفوقون علي دائماً.

يبدو أنهم لا يتعاملون مع شيء من الأساس، وكل ما يفعلونه هو تصويب نظرهم نحو رقم الصفحة.

هل أجرؤ على قول ذلك لأخي الأكبر؟ ربما أفعل هذه المرة.

واحد من أبناء عمي شكى لي بالأمس أنه بالكاد يستطيع إكمال جزئين كل يوم هذا العام. ياله من تراجع!

كان علي أن أعبر عن تعاطفي وقول شيء ما في هذه المناسبة على سبيل التشجيع، وسألته في الأثناء ما الذي أراد قوله في الرسالة التي أرسلها قبل أيام إلى واتساب.

جاء في الرسالة: "مبرك عليكوام شهار".

هل تبدو مثل "مبارك عليكم الشهر."؟

تضاعف شعوري بالتعاطف حتى غمرني، ولكنه مع القرآن وليس مع ابن عمي.


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك