وجبة الوحوش..

"هل تريدين أن أحكي لكِ قصة؟!"، هتفت متشبثة بي، قبل أن أفسح لها المكان مستحسنة المدخل الذي اختارته طفلة الثلاثة أعوام لبقائها جواري!.

"سار الولد في الشارع قبل أن يأكله الوحش!!!!"، انزعجت من القصة الأقصر أحداثا قبل أن أطلب غيرها لتمط الطفلة شفتيها وتقول: "لعب الولد في الحديقة قبل أن يأكله الوحش!"، قطبت جبيني، "ما هذه القصص المأساوية، اليّ بأخرى لا وحوش فيها!"، أخذت "جودي" بعض الوقت كي تخبرني بأمر الفتاة التي كانت تبحث عن أمها، ليتضح لي بأن الوحش كان قد أكلها هي أيضاً!.
" هناك خطب ما، في ما يسرد على الطفلة!" هتفت بعصبية قبل أن أحمل "جودي" وأشمر عن عقلي باحثة عن حكايات تليق بطفولتها!.

لا بأس في "سندريلا" أو "سنووايت"، على الرغم من مقاطعتي السابقة لهذه النوعية السلبية من الحكايات، لا ينبغي للفتاة أن تبقى أحلامها رهن التحقيق على يد الآخر، أميراً كان أو غفير، إلا أن بعض الاستثناءات ضرورية للتخلص من وحوش "جودي"!.

مازالت أصف الحذاء الزجاجي المفقود لسندريلا حتى قاطعتني بملل: "أين الووووحش؟!"، "لا وحوش يا جودي في الحياة، الأسد مجرد حيوان، نحن أقوى منه، والنمر كذلك، انظري،، حتى الدب الذي ترينه في هذه الصورة بإمكان الإنسان حبسه خلف القضبان وجعله مجرد مادة للتسلية!"، قلت بحزم لتغادرني وقد فقدت حماسها!.

حرصت على تنبيه والدة الطفلة لنوعية القصص التي يجب أن تسرد عليها قبل أن أغلق باب وحوش "جودي" نهائياً، من الطبيعي أن يكون خيال الأطفال في الوقت الحالي أوسع مما امتلكناه، وربما أسرع في البحث عن المشاكل نتيجة المدخلات المعرفية المتاحة لهم، حتى اكتشفت مدى جهلي حين قاطعت الطفلة إحدى خلواتي مجدداً!.

لم أتمكن من تمييز ما يعتلي وجهها، إلا أن (لقد كنت على حق!) كانت أهم تعبيراتها وهي تقترب مني قابضة بشدة على الهاتف، الذي امتلأت شاشته بإحدى صفحات أخبار اليمن، وبالطبع كانت الجثث تتصدرها!.
"انظري، لقد اكله الوحش!".

حدقت في الصورة مطولاً، يحدث أن يكتشف الكبار فجأة كم هم فارغين، وقد كنت في خضم إحدى تلك اللحظات، لا أعرف الصيغة التي اشرح بها للطفلة أمامي بأن الجثث الملقاة راحت نتيجة قصف خاطيء، حتى إن كان صائباً، هل لها أن تستوعب معنى ضحايا حرب أو كانت ستفرق بين أرواح انتزعت من هذا الطرف أو ذاك، لن تتفهم "جودي" مطلقاً استحقاق موت بهذا الشكل البشع حتى لأرواح مذنبة.

السنا الجيل الأكثر سوءاً؟!، مازلنا نحمل وقاحة الطرح والتنظير دون أن ندرك فداحة ما اقترفتاه بحق هذه الأرض وحق من سيلحقنا عليها، إن تمكنا من توريثهم شيئاً!.

نتباكى على سنوات الحرب التي اجتزأتنا دون أن نلتفت إلى أننا حرمنا أطفالنا حتى ما منح لنا صغاراً، وتركناهم وجبات ساخنة لأنانيتنا، "ربما كانوا الأوفر حظاً على الأقل لن يتفاجؤوا بفقدان النهايات السعيدة التي طالما انتظرناها!"، لا بأس في هذا التناول للهروب من الذنب!.

أخذت و"جودي" نتابع مقدمة فيلم "الأميره النائمة" قبل أن ترفع رأسها نحوي: "أنا أخاف من الوحش!"، "لا تخشي شيئاً، "عمتك" قوية بما فيه الكفاية لحمايتكِ، كما أن لا وحوش في الواقع!"، قلت ذلك دون أن أتأكد إن كان ما تشقق عن وجهي يفي كابتسامة مطمئنة قبل أن أخفض صوتي وأكمل: "لا وحوش يا جودي في الواقع، سوانا!".


* المقال خاص بـ"المصدر أونلاين"


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك