الشرعية كـ"جسر" عبور!

يتعامل البعض مع الشرعية على أنها مجرد "جسر" لتحقيق طموحاته الخاصة أو مطامعه الآنية أو حتى خدمة لأجندة أجنبية، وعندما يعبر من ذلك الجسر بسلام، يرمي بورقة الشرعية على قارعة الجسر، مخلفاً وراءه الكثير من الدم والخيبة، ثم يطلب من الشرعية الشكر ومن أنصارها الاحترام.

 يمكننا بسهولة رصد الكثير من الجهات المحلية والإقليمية، التي استخدمت "الشرعية" كطريق آني لتحقيق خطط إضعاف اليمن ومشاريع لتفتيت وحدتها السياسية والجغرافية، ابتداءً بمليشيا الحوثي ومروراً بمليشيا الانتقالي وانتهاءً بالمنشقة عن الحوثي؛ مليشيا طارق.

 لنتذكر أن معارك الحوثي قبل انقلابه (سبتمبر 2014) كانت ترفع شعار إسقاط الجرعة، وتستثني شرعية هادي، وبعد دخولها صنعاء فرضت بضغط إقليمي ودولي اتفاق "السلم والشراكة" تحت ظل الشرعية، وأرادت بعد ذلك إبقاء هادي كإسم رمزي لحكمها، لولا هروبه إلى عدن ثم الرياض.

  تدخلت السعودية ضد الحوثي بعد خروجه عن مسار الخطة المرسومة، وقادت تحالفاً عسكرياً لإنقاذ واستعادة الشرعية، وبعد سنوات ثبت أن استعادة الشرعية كانت مجرد لافتة لتمرير خطط خاصة بالرياض وأبوظبي، لا علاقة لها بوحدة اليمن ولا باستقراره، وبذلت جهوداً وصرفت أموالاً وأسلحة، لو ذهبت باتجاه مواجهة الحوثي، لكانت صنعاء الآن تحت سلطة الجمهورية اليمنية.

 الذين أسسوا المجلس الانتقالي، بدأت قصتهم من بوابة الشرعية، كمحافظين ووزراء، مثل عيدروس وبن بريك وغيرهما، وبعد أن أصبح لهم اسم وشأن، انخرطوا ضمن مشروع الإمارات لتحقيق رغباتهم الإنفصالية، وساهموا في عرقلة استقرار المناطق المحررة، وقبلوا بتنفيذ خطة الإمارات في طرد الحكومة من عدن، فيما عرف بانقلاب أغسطس.

 في تعز قبل أبو العباس بالقيام بدور نشر الفوضى والفتن داخل مدينة تعز ثم ريفها، وأسس كتائب باسمه بدعم من الإمارات، من داخل المقاومة ثم في إطار الجيش ضمن اللواء (35)، وتحولت كتائبه إلى مظلة لمتطرفين على علاقة بتنظيمي القاعدة وداعش وآخرين من المجرمين والقتلة، الذين نفذوا العديد من عمليات القتل والإرهاب.

  حالياً، ورغم كونه مشاركاً في انقلاب مليشيا الحوثي الموالية لإيران، ورغم أنه موالٍ للإمارات المعادية لليمن، يطالب طارق صالح في كلمة أخيره له؛ وبجرأة عجيبة، من "الرئاسة" الانضمام له، (ضعوا خطاً تحت الرئاسة وخطين تحت الانضمام)، إنه يتحدث بلغة عنجهية، هو لا يريد فقط استخدام الشرعية كجسر، بل يريد منها أن تبني له ذلك الجسر، أن تنضم له، وأن تتبعه.

 لا يعترف المليشاوي طارق، بالشرعية حتى كمسمى، فهو يوجه لها خطابا يستخدم لفظ "الرئاسة"، ثم يدعوها؛ لا أدري من أي موقع، إلى الإنضمام له في مواجهة الحوثي في الحديدة وتعز.. نحن أمام حالة مليشاوية مطورة عن سابقاتها في التعامل مع "الشرعية"، هو لا يريد أن يستغلها كجسر، بل يريد منها أن تمهد له طريق الزعامة، وتعطيه شرعية قيادة اليمن، ضد العدو الموحد "الحوثي".

 طارق، وهو المتمرد والمليشاوي، والمحتل لمساحة واسعة من تعز والحديدة المعروفة بالساحل الغربي، كوكيل معتمد لدولة أجنبية معادية "الإمارات"،  أضحى فجأة القائد الضرورة؛ هكذا يقدم نفسه، أو كما يقدمه المحيطون به، أو الذين يمارسون السياسة كموضة، والوطن كعاطفة، والمشكلة أن طارق كان يتحدث بهذه اللغة العجائبية أمام مجندين جدد في مليشياته، وبعد فترة زمنية قصيرة من فرار مسلحين تابعين له انضموا لمليشيات الحوثي.

 نحن أمام حالة عبثية لم نرَ مثلها في عالم المليشيات في أي مكان، يتمردون في عدن لصالح الإمارات، ويريدون من الحكومة توفير الخدمات لهم وإضفاء الشرعية على تمردهم، يثيرون الفتن في ريف تعز لصالح أبوظبي، تحت غطاء الجيش، ويريد أغربهم، طارق، من الشرعية؛ التي لا يعترف بها، أن تعترف به، وأن تنضم لمليشياته في مواجهة  مليشيا الحوثي التي انشق عنها بعد أن ساهم هو وعمه في صناعتها.

----------------------------
* المقال خاص بـ"المصدر أونلاين"


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك




صفحاتنا على الشبكات الاجتماعية