موت بسيط

مازال الناس يتناقلون استعراضه للياقته، كان يمشي على يديه من البيت إلى المدرسة، على طريق وعر تنتشر فيه الحصى والشوك.


نحن أدركنا الجزء الأخير من تلك القوة، وعشنا معه مرحلة الخور كلها؛ في الجمعة قبل الأخيرة كانت خطواته ثقيلة وهو يشق طريقه نحو الصف الأول في المسجد، تلك خلاصة الحياة وختام رحلة الإنسان، من قوة المشي على اليدين إلى الوهن الذي أثقل الرجلين.


تكالبت الأمراض فأعيته، ولم تمنحه الآجال شيئا يستأخر به عن الخاتمة المحتومة كما يشتهي الناس.كان للموت هيبة، والكتاب يستعرضون إتقانهم في نقل تفاصيل الحياة من خلال المآتم، حتى للميت البسيط في القرية البعيدة، وكثير من الشعراء خلدوا أحبتهم في أبيات المراثي.


موت شاب في قرية ما، لم تبارح ذهن ماركيز، الذي كتب رائعته "وقائع موت معلن" عن الشاب ذي الأصول العربية: سنتياغو نصار، ومع أن سنتياغو قتل قتلًا، إلا أن ماركيز تعامل معها كموت، ليفرغ حزنه وذكرياته في ذلك التحقيق عن موت معلن لا يحتاج إلى تحقيق في الأصل. 


حياة حقبة من واقعة موت في قرية.هذا النوع من الكتابة، كان ينشأ بتثاقل في الصحافة دون اعتماد لأي تقنية سردية، وإنما على شكل مقالات.
غير أن الحرب بلدت أذهاننا وجعلت من الموت شيئًا عاديًا إذ حولته إلى روتين يومي، لم نعد نقرأ تلك المشاعر المنسكبة على راحل ما، لا قصيدة ولا ذكريات إلا فيما ندر.


رأيته الجمعة قبل الفائتة، بعد خطبة الجمعة حضر المقيل وكأنه يلوح لنا مودعًا، بدا من لون وجهه الذي مال للصفرة كذلك الضوء الذي كان يوزعه للقرية من مولده قبل ثورة ألواح الطاقة، وبما أنه من أوائل الذين امتلكوا الصحون اللاقطة فكثيرًا ما آذيناه لنشاهد المباريات، ويمكن تحديد تاريخ إزعاج الجماهير له، من آخر نسخة في كأس العالم شارك بها زيدان، نذكر نطحة الكابتن، وهتافات المشاهدين التي كانت تشوش على طبعه الهادئ..


كان دكانه مجلسه المفتوح دائمًا، نلوك به القات ونشاهد التلفاز، كما نشاهد شهادة مشاركة الرجل بإحدى دورات الأمن، فهو أحد الجنود القدامى، عندما كان يفر الناس من التجنيد، وذات مرة حين لم يعد من إجازته إلى المعسكر، خرجت أطقم تبحث عنه إلى القرية لإجباره على العودة إلى خدمة الوطن.


ربما طول خدمته هذه، رفعت سقف نقده لمن يقابله، كان متابعًا حصيفًا لكافة الأحداث، ليس بهذا الشكل ستقام دولة كما كان يرى، لم يعجبه أحد في توجهه السياسي، وحين تقف أمامه تضيع منك حجة مناقشته، ليس ضياعًا قسريًا للحجج خوفًا على ارتفاع نسبة السكر في المساعد المتقاعد، ولكن لوقار الرجل ومنطقه الذي يبدو من النبرة الحزينة حرصًا على مصير وطن..قصته طويلة، وذكرياته أطول.


تضيع حياة البساطة بمجرد موت صاحبها، لانشغالنا خلف موتى القادة، وحين صار الموت بـ "الكورجة" نسينا الجميع لانشغالنا بالأكثر إثارة للجدل.هل يذكر أحد اسم جندي استشهد جوار أبو اليمامة؟ننشغل بالقتلى، وننسى الموتى الذين يرحلون بشكل طبيعي، وهذه الحالة وصل إليها ماركيز حين وجد الكولونيول الذي يبحث عمن يكاتبه، وجده نفسه مستغربًا وهو يمشي خلف جنازة ماتت بشكل طبيعي.


إذن أين الأهمية في وفاة رجل قروي مات في أحد المستشفيات في زمن الحرب؟ أهميته في اختزال حياة.. من القوة إلى الوهن، من الخدمة إلى التقاعدمن الصحة إلى كتلة من الأمراضمن انشغاله بمتابعة أحداث الوطن والعالم، من السكر، وضيق في الشرايين، ثم الحرب الذي ضاعفت كل شيء، لتأتي الرحلة الأخيرة إلى مستشفى في إب بعد اكتشاف الفشل الكلوي.للوطن الحبيب: علي عبده خالد، إن كنت عرفته أثناء خدمته لك، مات.

* المقال خاص بـ"المصدر أونلاين"


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك




صفحاتنا على الشبكات الاجتماعية