سوق السلاح بجوار مركز أمني .. هكذا تُغذَّى الفوضى وثقافة العنف في عدن (تقرير ميداني خاص)

سوق السلاح بجوار مركز أمني .. هكذا تُغذَّى الفوضى وثقافة العنف في عدن (تقرير ميداني خاص)

ينفث أنور محمد 40 عامًا دخان سيجارته أمام متجر متهالك جراء الحرب، وسط سوق عتيق في البلدة القديمة كريتر جنوبي عدن، بينما كان يصف بحزن ثلاث عمليات قتل لثلاثة أشخاص بينهم امرأة سقطوا برصاص مسلحين خلال 48 ساعة في مديريتي البريقة والمنصورة غربي وشمالي عدن.

وإذ لم يكن الرقم يمثل مفاجأة في المدينة التي قُتل فيها العشرات من القادة العسكريين والمحليين، إضافة إلى 36 من خطباء وأئمة المساجد، لكنه يبدو مخيفًا إذ أنها المرة الأولى التي يقتل فيها 4 مدنيين في حوادث غامضة، خلال يومين متتاليين، ثم تُلقى جثثهم في حُفر ومناطق مهجورة.

وتصنف عمليات القتل للخطباء وقادة عسكريين ورجال مقاومة، ضمن سياسة التصفيات والحرب حول النفوذ بين القوى المتصارعة داخل عدن، خاصة أن الجزء الأكبر ممن قُتِلوا ينتمون للفصائل والقوى السياسية الفاعلة في الحرب.

في حين أن الدوافع وراء مقتل أناس مدنيين تبدو ليست واضحة، لكن بعضها تُصنف ضمن عمليات الإنتقام والتصفية التي تعززها الخلافات والثأر مع غياب جهات تحقيق العدالة "المحاكم والنيابات" داخل المدينة، إضافة إلى أن أحد أبرز الدوافع تتمثل في السطو ونهب الممتلكات.

وفي الحالتين يبرز انتشار السلاح في عدن كأحد أبرز العوامل المساعدة للإنفلات الأمني في المدينة الصغيرة.

كيف ينتشر السلاح؟

يمسك شاب في العقد الثاني من عمره سلاح كلاشنكوف روسي، بينما كان يسأل بائع سلاح عن ثمن صندوق الذخيرة الذي كان أمامه، وعلى الجانب الآخر أطلق شاب عيارين ناريين في الهواء وعندما بادرنا بسؤاله لماذا فعل ذلك، قال إنه كان يختبر نوع السلاح وجودته.

وسط مبنيين سكنيين يضمان فنادق ومحلات صرافة ومحلات بيع للهواتف المحمولة في مديرية الشيخ عثمان شمالي مدينة عدن، كان هناك الكثير من المسلحين يحملون أسلحة مختلفة وبعضهم كان يحتفل بحصوله على قطعة السلاح الأفضل.

نحن في سوق السلاح الأشهر داخل المدينة التي أعلنتها الحكومة المعترف بها دوليًا عاصمة مؤقتة وتتخذ منها مقراً لها، لا شيء يدل على أنك في سوق لبيع السلاح حيث لا ترفع لوحات إعلانية ولا إشارات تشير إلى أن هذا المكان لبيع السلاح، غير أن أشخاصاً مدججين بالأسلحة يتجولون، وآخرون يجلسون على حافة الأرصفة وهم ضمناً يعرضون ما بحوزتهم من أسلحة وذخائر للبيع، وبإمكانك أن تقتنيها دون أي اشتراطات مادمت تملك النقود.

لكن الأمر الغريب هو أن هذا السوق الذي لا يأخذ الشكل الرسمي لا يبعد كثيراً عن أقرب مركز أمني كما أن الكثير من الجنود في الجيش والأمن وقادة القتال المحليين والرسميين يمرون من أمام السوق بشكل يومي ويدركون ما الذي يجري.

في السنوات الثلاث الماضية طالبت منظمات مجتمع مدني ونشطاء محليون ووسائل إعلام بإغلاق محلات بيع الأسلحة في مدينة الشيخ عثمان لكن القوات الأمنية لم تغلقها حتى الآن، وبعد مرور 4 أعوام يتضح أن الأمن تأخر في إغلاق السوق لأن الجزء الأكبر من المدنيين داخل عدن أصبح يملك السلاح.

قوات الأمن خلال الأعوام الماضية لّوحت بحملات أمنية لإغلاق سوق السلاح لكن هذا لم يحدث حتى الآن ولم يبين الأمن في كل مرة الأسباب التي كانت تدفعه للتوقف عن تنفيذ حملات إغلاق سوق السلاح.

حاول "المصدر أونلاين" التواصل مع إدارة أمن عدن لمعرفة أسباب تأخر حملة مداهمة سوق السلاح ولكن لم يأتنا رد، لكن مصدر أمني في وزارة الداخلية قال لـ"المصدر أونلاين" إن الجزء الأكبر من السلاح يأتي من جبهات الساحل الغربي للبلاد، وأيضًا غالبية المسلحين الذي يذهبون للساحل الغربي ويأتون منه يتعاملون مع بائعي سوق السلاح في عدن وهو ما دفع بالقوات الأمنية إلى التوقف عند آخر خطوة لإن الأمر يبدو خارج سيطرة الأمن إذ أن المقاتلين في الساحل الغربي هم مقاتلون محليون تابعون لألوية العمالقة الممولة من التحالف وبالتالي لا يستطيع الأمن في عدن إغلاق السلاح لأن هذا برأيه سيحد من تدفق المقاتلين للساحل الغربي.

لكن الأمر بالمقابل لا يتعلق فقط بالمسلحين القادمين من الساحل الغربي، إذ أن هناك الكثير في عدن ممن يحملون السلاح ويقتنون السلاح ويبيعونه هم من ساكني عدن والمدن المجاورة لها، ما يشير بدرجة رئيسية إلى ان مشكلة السلاح تضرب عدن من الداخل ومن هذا المنطلق فأن حل المشكلة يبدأ بإغلاق سوق السلاح وحصر امتلاكه للعسكريين فقط.

واجهنا بهذه الفرضية المصدر الأمني الذي قال إنه مع بيئة الحرب ووقوع عدن كمركز إنطلاق للمقاتلين إلى جبهات الساحل الغربي، إضافة إلى احتضانها عدد كبير من الوحدات العسكرية التي تخضع للتحالف يبدو من الصعوبة اتخاذ قرار إغلاق سوق السلاح وحظره دفعة واحدة، لكنه قال إن الأمر يحتاج لمعالجات تبدأ من أصحاب القرار في عدن المتمثل في قيادة القوات الإماراتية والحكومة الشرعية، بحيث تبدأ عملية دمج الوحدات العسكرية التابعة لهما أكانت في عدن أو في الساحل الغربي بحيث يسمح هذا القرار بغربلة المسلحين ومن بعد ذلك يبدأ التطبيق الفعلي لحظر السلاح لغير العسكريين.

لكن الإمارات، لم تدفع بحلفائها المحليين المسيطرين على الأمن في عدن إلى تنفيذ حملات أمنية لإغلاق السلاح وحظره ومنع الدراجات النارية.

كيف تتعاطى الإمارات وحلفاؤها مع انتشار السلاح داخل عدن؟

مع حضورها للعام الرابع على التوالي جنوبًا، برزت الإستراتيجية الإماراتية في التعامل مع الأمن في جنوب اليمن أكثر ميولاً للتعامل مع الأطراف وإهمال الرأس.

على سبيل المثال داهمت أبو ظبي مواقع للقاعدة طيلة ثلاثة أعوام في محافظة أبين لكنها لم تقترب بشكل فاعل من المعقل الرئيس للقاعدة في جبال المراقشة بمحاذاة ساحل البحر العربي، حيث المركز الذي يشار إليه بتخريج المقاتلين الأوائل المسيطرين على عاصمة المحافظة في 2011 والذي لا زآل قوياً حتى الآن. وبحسب مصدر محلي في أبين فإن هناك الكثير ممن يعرف بانتمائهم للقاعدة باتوا منخرطين في قوات أمنية تدعمها الإمارات.

ويبدو الوضع في مدينة عدن حيث يحضر الإماراتيون بلواء كامل مماثلًا للوضع في أبين ومعاكسًا من جانب آخر. فبينما نفذ الأمن عمليات أمنية لطرد متشددين حاولوا السيطرة على التواهي أواخر العام 2015، استمرت عمليات بيع السلاح وشهدت عدن منذ 2015 حتى العام 2018 عمليات قتل بأسلحة آلية وعبر دراجات نارية.

أدت العمليات الأمنية التي قام بها الأمن في عدن والتي توزعت بين مداهمات لأوكار للقاعدة وضبط أسلحة ومتفجرات إلى تقديم القوات الموالية للإمارات كمحارب قوي يسعى لفرض الأمن في أوساط السكان المحليين، غير أن آخرين يعتقدون أن قوات الأمن تجاهلت بتعمد المركز المغذي لعمليات الإغتيال والقتل داخل عدن.

يلاحظ التحالف الذي تقوده السعودية ممثلًا بالإمارات ملف عسكرة عدن عبر انتشار السلاح، غير أنه يحاول مراقبة العوامل الناتجة عن ذلك ليدفع حلفاءه لمجابهتها وهذا ينتج شيئين مهمين للإمارات فهي أولًا تكاد تكون ضمنت استمرار حلفائها في المشهد الأمني عبر تحضير الفزّاعة الأمنية دائمًا، ومن جانب تمثل ملشنة وعسكرة عدن تغطية جيدة لتحركات الإمارات فيما يخص الحضور في الميناء والمطار.

الرابحون من إنتشار السلاح

مع وجود سوق السلاح، وغياب دور الأمن، أستغلت ثلاثة أصناف الفرصة لتنفذ عمليات انتقام وملاحقة بحق أشخاص معينين.

وتتصدر عمليات التصفية الجسدية ذات البعد السياسي والديني الجزء الأكبر من عمليات الإغتيال، إذ طالت الإغتيالات 36 من خطباء وأئمة المساجد بينهم سلفييين، لكن البعض الآخر ممن تم اغتيالهم ينتمي لحزب التجمع اليمني للإصلاح الذي تتعاطى معه الإمارات ككيان غير مرغوب امتداداً للحرب الذي تشنها ضد جماعة الإخوان المسلمين في المنطقة.

ومع كل عملية اغتيال كانت تشهدها عدن تنصرف الآلة الإعلامية المساندة للإمارات ونشطاء موالين لها على وسائل التواصل الاجتماعي إلى توزيع التهم بحق الطرف المختلف مع الضحية سياسياً، وبهذا كانت كل مرة تتوفر الظروف المهيأة لأجهزة الأمن للتخلي عن مسؤوليتها في كشف وضبط آلة الإغتيالات الفتاكة.

بينما تذهب مؤشرات اغتيال قادة ونشطاء في حزب الإصلاح، صوب مسلحين تدفعهم الإمارات بهدف تحجيم حضور الحزب القوي داخل الحكومة المعترف بها دوليًا، ويقول مراقبون إن إعتقال القوات الأمنية الموالية للإمارات لقادة في الحزب هو تأكيد إن أبو ظبي تقف وراء محاولات تحجيم الحزب لصالح حضور حلفائها المحليين.

ومع أن المصدر يختلف في الحالتين إلا إن السلاح يأتي من مكان واحد في عدن.

وتأتي عمليات القتل المرتبطة بقضايا ثأر في الترتيب الثاني إذ أن هناك أشخاص قُتِلوا بدافع الإنتقام من الطرق القاتل، وهؤلاء وجدوا خصومهم في عدن، وانتهزوا الفرصة ونفذو عمليات انتقام داخل المدينة.

ويقدم انتشار السلاح خدمة كبيرة للجماعات المسلحة والعناصر المشتبه بها، إذ أنه يقوم بدور التغطية على العمليات التي ينفذونها.

قبل أسبوعين قُتل شاب في العقد الثاني من عمره في منطقة الممدارة التابعة لمديرية الشيخ عثمان شمال المدينة، وبعيد حوالي 24 ساعة أتضح إن القاتل نفذ العملية بدافع الإنتقام والثأر لأخيه الذي قُتل على يد القتيل بسبب خلاف قبل عامين.

وبعدها بأيام أختطف مسلحون شاب عشريني من مستشفى أطباء بلا حدود في مديرية المنصورة، قبل إن يُعثر على جثته قرب مدرسة في حي القاهرة وتبين لاحقًا إن المسلحين كانوا على خلاف معه.

في حين يبدو الصنف الثالث يتفذ عمليات القتل بدوافع السرقة والسطو ويربط مراقبون للأمن اندفاع هؤلاء بتعاطي مواد مخدرة ما يجعلهم مندفعين لفعل أي شيء.

وفي وقت سابق من الشهر الماضي عثر على جثة شاب ينتمي لمحافظة أبين مقتولا في حوش قرب منطقة الحسوة، والشاب الذي يعمل على شاحنة متوسطة الحجم للنقل في عدن أعترف المتهمين في محضر الإستجواب أنهم قتلوه للإستيلاء على الشاحنة.

وقال أنور علي 30 عامًا وهو أحد السكان المحليين في عدن أنهُ مع مرور الثلاثة الأعوام أصبح بوسع أي شخص إمتلاك قطعة سلاح حيث لا موانع أمنية تحول دون ذلك، كما قال أنور إن التحالف ممثلًا بالإمارات يبدو متورطًا في ذلك بحيث أنه وبحسب حديث أنور تسعى الإمارات لخلخلة الأمن لتمسك هي بزمام السيطرة مع حضورها القوي سوءا المباشر عبر قواته الموجودة في غربي عدن أو عبر حلفائها المحليين من تشكيلات النخب والحزام الأمني.


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك