التحالف واليمنيون.. من المطالَب بإثبات حسن النوايا؟

لا أحد يمكنه أو يحق له أن يمنح السعودية أو الإمارات شيكاً على بياض للتصرف باليمن. تدخلت السعودية والإمارات عسكرياً في اليمن، عقب انقلاب الحوثيين وصالح وسيطرتهم على معظم المحافظات اليمنية، وشعور الخليج بخطر سيطرة الحوثيين على مخازن الصواريخ الباليستية، تحت غطاء تلقيها طلب من الرئيس الشرعي عبدربه منصور هادي لمهمة محددة وأعلن "التحالف العربي" عملياته بأهداف محددة ومعلنة.

4 سنوات انقضت علي العمليات العسكرية للتحالف وبالتالي فإنها اليوم ليست مناسبة للإحتفاء بقدر ما يفترض أن تكون مناسبة للتقييم والتقويم والمراجعة، ومن حق أي يمني أن يسأل اليوم: هل لا يزال التحالف يعمل في نطاق أهدافه المعلنة أم أنه قد تجاوزها لأهداف وأجندات أخرى تخصه لا تخص اليمن؟ وكم المسافة الفاصلة بين التدخل المشروع والإحتلال؟

الحشود التي أخرجها الإصلاح في تعز قد تكون في سياق محاولته الدفاع عن نفسه وعن مدينة تعز أمام جهود الشيطنة التي تبذلها كتائب من النشطاء والإعلاميين والسياسيين الذين تحولهم ضغائنهم إلى كُرات من نار ومستعدين لتفخيخ مدينتهم وإحراقها على طريقة الذي شاهد بيته يحرق وقال "عيس في الكتن".

ثم إنه لا جديد في موقف الإصلاح فهذا هو موقفه الرسمي والمعلن من الخليج ومن التدخل العسكري الخليجي في اليمن وبمراجعة بسيطة لمواقف الجهات والأحزاب عقب عاصفة الحزم فسنجد أنه الحزب أو الجهة الوحيدة التي أصدرت حينها بياناً يؤيد العمليات العسكرية في اليمن، هل كان مصيباً أم أخطأ هذا أمر على الحزب ذاته أن يخضعه للتقييم والمراجعة، خاصة أن أكثر من ثمانية آلاف من ناشطيه وكوادره تعرضوا للإختطاف وزج بهم في السجون خلال ثلاثة أيام من صدور هذا البيان وفي مقدمتهم العقل السياسي للحزب محمد قحطان الذي لا يزال مصيره مجهولاً إلى اليوم.

ومهما كانت مبررات إخراج الجماهير في مناسبة لا تصلح للإحتفاء فإن استمرار التصفيق والتأييد دون مراجعة وتقييم لتدخل التحالف سيجعل الإصلاح يدفع ثمناً كبيراً، فكثير من نشطاء الإصلاح والنخب التي تعتبر هي مصدر حيويته ترقب بعين مدركة العبث الذي تتعرض له البلد من أشقاء دخلوا لإسناد الحكومة الشرعية واستعادة الدولة فإذا بهم يدعمون مليشيات وتيارات تفخخ البلد وتهدد بتمزيقه.

كيف يمكن للتحالف أن يفسر مسلك الإمارات وهي تنشئ وتسلح تشكيلات مسلحة مناوئة للحكومة الشرعية التي قال التحالف إنه جاء لمساندتها، وكيف يمكن للإصلاح أن يقنع جماهيره وأعضاءه أن ما تقوم به الإمارات في المحافظات الجنوبية من تشجيع ودعم وتسليح لمليشيات تتبنى الإنفصال وتمكنها من السيطرة على مدينة عدن، بل كيف يمكن له أن يقنعهم أن التحالف يسير في الإتجاه الصحيح بينما لا يستطيع قيادات الإصلاح في عدت أن يعودوا إلى بيوتهم ويمارسوا حياتهم الطبيعية ناهيك عن أن يتمكنوا من فتح مقرات الحزب ومزاولة نشاطهم السياسي، فوضع إنصاف مايو رئيس إصلاح عدن لا يختلف عن وضع رئيس الإصلاح في أمانة العاصمة كلاهما مشردان وكلاهما لا يستطيعان ممارسة النشاط السياسي، والمقرات مغلقة ومصادرة.

ربما يكون الإختراق الوحيد الذي حققته قيادة الإصلاح العام الماضي والنتيجة الإيجابية التي ظهرت ولمسها منتسبو الإصلاح من تقارب قيادة الإصلاح مع حكام أبو ظبي ولقاء الآنسي واليدومي بمحمد بن زايد هو توقف عمليات الإغتيالات في عدن ضد قيادات ونشطاء الحزب، خاصة أن ذلك اللقاء جاء بعد التحقيق الشهير لصحيفة "بزفيد" الأمريكية التي كشفت عن استئجار الإمارات مرتزقة أجانب لتنفيذ اغتيالات ضد قيادات الإصلاح في عدن ونشرت تصويراً جوياً لمحاولة اغتيال البرلماني ورئيس إصلاح عدن "إنصاف مايو" عبر تفجير استهدف المقر الذي كان يتواجد فيه إلا أن العملية فشلت لأنه كان غادر المكان قبل دقائق من عملية التفجير.

أكثر ما أثار الضحيح في مظاهرة دعا لها حزب الإصلاح في تعز أمس السبت هو أنها جاءت عقب حملة ضخمة قادها خصومه اتهموه فيها بالتحالف مع الحوثيين والعمل لصالح قطر، فخرج بجماهيره رافعاً لهم صور حكام الخليج، وهو ما أربك عملهم بعد أن اعتقدوا أنهم أنجزوا المهمة بنجاح، لكن هل يقتنع الإماراتيون بأن الإصلاح ليس عدواً ويكفوا عن محاولة استئصاله؟ لا أعتقد ذلك.


وجد التحالف داخل اليمن نخباً وأحزاباً ونشطاء يتساوقون معه وعلى استعداد لأن يقدموا له كل شيء سواءاً الطامحين في الحصول على لقمة عيش أو من يرون في وجوده فرصة لتصفية خصومهم وتقديم أنفسهم وكلاء جيدين لتنفيذ مصالح ، ومع هذا فإن الكتلة الأكبر من اليمنيين وفي مقدمتهم شباب يواجهون الإنقلاب منذ أربع سنوات هم مع بلادهم فقط وليسوا شقاة مع أحد، وأن وجود التحالف هو مساند وداعم وليس هو صاحب القضية.

وقناعتي الشخصية تختلف مع اجتهاد قوى سياسية وفي مقدمتها الإصلاح لإبداء حسن النوايا، إذ ليس مطلوباً من القوى السياسية اليمنية وفي مقدمتها الإصلاح أن تثبت حسن النوايا للتحالف، بل المطلوب من التحالف أن يثبت حسن نيته ويؤكد لكل اليمنيين أنه لا يزال ملتزماً بالأهداف المعلنة للتدخل العسكري في اليمن والتي يأتي في مقدمتها إسناد الحكومة الشرعية وتمكينها من بسط نفوذها على كامل التراب اليمني وليس التسابق للسيطرة على الموانئ والجزر والسواحل والتعامل مع اليمن أنه الرجل المريض، بل ومطلوب من كل القوى السياسية اليمنية ليس التسابق على حضن الخليج بل التوحد في كتلة سياسية واحدة تستطيع الحفاظ على التضحيات التي يقدمها آلاف الشباب اليمني في الميدان وهم يحلمون باستعادة دولتهم التي اختطفتها عصابات قادمة من الماضي البغيض، وأن يعيشوا حياة كريمة في وطن آمن مستقر لهم فيه حق اختيار حكامهم وحق التعبير عن آرائهم. 

من حقهم أن يوجهوا الأسئلة التي يعجز عن توجيهها الرئيس هادي: 

لماذا لا يستطيع الرئيس والحكومة كاملة العودة إلى عدن وممارسة مهامهم وصلاحياتهم كاملة؟

من الذي يمنع وزراء في الحكومة وقادة في الجيش وقادة في الأحزاب من العودة إلى العاصمة المؤقتة عدن ومن الذي يسلح ويمول ويدرب مجاميع تفرض الإنفصال واقعاً على الأرض؟ 

وهذا ليس من حقهم فقط بل بانقضاء العام الرابع على العمليات العسكرية للتحالف يجب عليهم أن يوحدوا صوتهم ويوجهوا هذه الأسئلة دون مواربة ودون محاولة اقتناص الفرص لنيل رضا التحالف والتخلص من الآخر بسيف الجيران. 

علينا أن نعترف جميعاً أن اليمن محاصر ومخنوق فثلاثين مليون يمني، وربما أكثر لو احتسبنا المقيمين خارج البلد، تطحنهم الحرب منذ أربع سنوات وتقتلهم الأمراض والأوبئة والمجاعة فهل كان للحرب أن تستمر كل هذا الوقت وما الهدف من تطويلها؟ 

ثلاين مليون ينتظرون رحلات معدودة في الأسبوع لطيران اليمنية المتهالك بينما تغلق مطاراتنا أمام طيران العالم بشكل غير مبرر ولا مقبول، وتعطل موانئنا وتعطل عملية تصدير النفط والغاز، فكيف يمكن أن تقوم للشرعية قائمة وهي تستجدي سلات غذائية من فاعلي الشر حول العالم.

لسنا، وأقصد اليمنيين، أعداءً لأحد ولا نصلح أن نكون كذلك، إلا أننا في المقابل أيضاً لسنا على استعداد لبيع بلادنا والتحول إلى مخبرين على بعضنا و"هتيفة" مقابل لقمة عيش من خزائن الجيران، وإن وجدتم من يفعل ذلك فهم "سَقَط القوم" حالات شاذة موجودة في كل بلد. 

كما أننا لا تعنينا صراعاتكم وخلافاتكم الداخلية القادمة من زمن "البسوس" والتي أذكاها امتلاء صاديقكم السيادية. فقط نحن إخوانكم نحب لكم الخير ويجب أن تكونوا كذلك، فمخططات التمزيق التي تبدو مغرية للبعض كوسيلة للهيمنة، إن بدأت لن تتوقف عند اليمن فستجد المنطقة كلها نفسها مرسومة على خارطة جديدة لا تشبه الخارطة الحالية تماماً. 

وختاماً عليكم أن تدركوا أن إعدام الدولة في اليمن وإطالة أمد الفوضى سيكون شراً يطال المنطقة كلها، وحينها لن ندفع الثمن وحدنا.. فقط عليكم التفكير بقليل من البصيرة لتدركوا أن مصلحتكم هي في يمن مستقر وموحد ومزدهر. 


* المقال خاص بالمصدر أونلاين


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك