احتشاد السيادة الوطنية في وجه التكتلات الإقليمية والعولمة

ستغادر بريطانيا الاتحاد الأوربي ...
لم يعد البريطانيون يجادلون في هذا الموضوع ، ولا الاوربيون كذلك . كل ما يفكر فيه البريطانيون في اللحظة الراهنة هو أنه كيف يخففون كلفة المغادرة المالية والاقتصادية في المدى القريب وربما المتوسط . 


أما الأوربيون فإنهم يتحسسون أثر الضربة البريطانية على الإتحاد لمعرفة الأثر الذي خلفته على تماسكه ، وبذلك فإنهم يصعبون التفاوض على البريطانيين وخاصة فيما يتعلق ببعض القضايا ذات العلاقة مثل السوق الواحدة single market والاتحاد الجمركي وما يخص مصالح الأوربيين المقيمين في الاراضي البريطانية . 


الاوربيون يتأسفون على خروج بريطانيا .. لكنهم في نفس الوقت يتحنبون أن يظهروها مشكلة تهز ثقة بقية الأعضاء في بقاء الاتحاد ، ولذلك فإن الموقف المتصلب من مطالبات بريطانيا بفترة انتقالية فيما يخص الاتحاد الجمركي تسمح لها بترتيب وضعها التجاري يفهم جانب منه بأنه رسالة لبقية الأعضاء .


عموماً لم يعد أمام البريطانيين من خيار سوى أن يحسموا أمرهم فيما يخص السوق الواحدة والاتحاد الجمركي وهذا ما انتبه له السيدان فيليب هاموند وزير المالية وأحد أقطاب دعاة البقاء في الاتحاد الأوربي والسيد ليام فوكس وزير التجارة الخارجية وأحد أقطاب دعاة الخروج ، فقد سجلا موقفاً مشتركاً في مقال مشترك نشرته "السنداي تلجراف" وفقاً ل " الجارديان" من أنهما " يحترمان إرادة الشعب البريطاني فيما يخص مغادرة الاتحاد الاوربي ، وأن بريطانيا وفقاً لذلك ستغادر الاتحاد الجمركي ،وستكون بذلك حرة في مناقشة وتوقيع الصفقات التجارية مع مختلف دول العالم كدولة مستقلة ومنفتحة تجارياً على العالم ..وأن بريطانيا بمغادرة الاتحاد الجمركي الاوربي سيكون بوسعها كأمة مستقلة أن تبني تجارتها مع الدول الاخرى على أساس ثنائي وبما يحقق لها المزايا الاقتصادية " . 


في المقال تكررت كلمات " الحرة" و " المستقلة" على نحو جعل العولمة تبدو وكأنها قد فقدت بريقها القديم الذي سوقها ذات يوم كمنقذ لهذا العالم من "حماقات " القوميات و "انعزاليتها" .


خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي بعد أربعين سنة من تسويق العولمة ، وفتح مراكز العبور بين الأمم نحو تجارة حرة بلا قيود ، وتشجيع التكتلات السياسية والاقتصادية الإقليمية .. ليس حدثاً عابراً وإنما يجب أن يقرأ في صلته بما يمكن أن يسفر عنه هذا الحدث من تأثير على التكتلات الإقليمية والسياسات التجارية والنقدية العالمية والعلاقات الدولية في نطاق ما استقر عليه الحال من نزوع نحو الاندماج وخلق التكوينات السياسية والاقتصادية الكبرى . لقد اتضح بما لا يقبل الشك أن هناك عوامل أكثر أهمية ذات صلة بالثقافة culture يمكن أن تقوم بدور تحريضي لاستعادة الاحتشاد الوطني والقومي الذي أسست بمساعدته الدولة المعاصرة في هذه البلدان منذ أكثر من قرنين . ولا بد أن يشهد العالم تغيرات كبيرة في هذاالاتجاه الذي ينذر بانهيار فكرة الاتحادات الإقليمية .


وبريطانيا ليست جغرافيا فقط ، ولكنها تاريخ سياسي ودبلوماسي وعسكري وتجاري يمتد على طول وعرض الكرة الارضيّة ، ولا بد أنها تراهن على هذا التاريخ ، الذي لا زال يمدها بحوافز استعادة الشخصية التي لم تقبل أن تذوب في أي اتحاد إقليمي حتى لو كان بمستوى الاتحاد الاوربي منذ أن تمسكت ببقاء عملتها الجنيه الاسترليني وبقائها خارج " الشنجن " عند انضمامها إلى الاتحاد ، في إعادة بناء علاقاتها الدبلوماسية والتجارية والأمنية كدولة "ذات سيادة" ،كما يحلو لمناصري الخروج من الاتحاد الاوربي أن يرددوه . 
ولا بد أن يكون لهذا الحدث تأثير بالغ على العلاقات الدولية .
 


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك