مسؤولية الحوثي تجاه السلم الأهلي

عزت سلطة الامر الواقع التي تحكم صنعاء، التفجير الانتحاري في التحرير لاطراف خارجية لم تسمها، وان فعلت فستتحدث عن المخابرات الامريكية والاسرائيلية، دونما دليل أو استشعار لخطورة المنزلق الكارثي الذي دخلته البلاد، ورغم أن القاعدة او واجهتها المعروفة بأنصار الشريعة أعلنت مسؤوليتها عن الهجوم المروع.


للمرة الاولى يستهدف هجوم انتحاري تجمعا لغير العسكريين، وهو منزلق خطير وفاصل في تاريخ البلاد وسلمها الاهلي.


حسنا؛ ما يفترض ان يقوله السياسيون الخانعون السلبيون -حتى حينما يتعلق الامر بدماء الابرياء ومؤشرات فتنة طائفية قبيحة- عبر احزابهم المستكينة الخاضعة لسلطة الامر الواقع والخيارات المفروضة بقوة السلاح، سنقوله نحن الصحفيون والكتاب واصحاب الرأي المستقلون..


قدرنا أن نشغل فراغ السياسة والمعارضة؛ ونتحدث بتخفف من كل الحسابات سوى مصلحة الوطن وسلمه الاهلي.


الجهة التي تقف وراء ذلك التفجير الارهابي المدان الذي اودى بحياة عشرات الابرياء ، وبصمتها واضحة للعيان بجلاء وهي القاعدة، تتحمل مسؤولية هذا العمل الوحشي البربري، ومن الحماقة والعدمية واللامسؤولية إلقاء المسؤول عن الأمن بالمسؤولية جزافا على المخابرات الاجنبية وأطراف خارجية، فذلك يضاعف مسؤوليتها ازاء الجريمة ولا يلغيها.


ثم؛ إن المسؤولية التي كانت تتحملها السلطة الرخوة ممثلة بالرئيس وسلطات حكومته الامنية والعسكرية انتقلت الى ذمة سلطة الامر الواقع ممثلة بميليشيات عبدالملك الحوثي ابتداء من يوم الانتكاسة الوطنية في ٢١ سبتمبر الاسود الماضي.. انتكاسة بما آلت اليها الاوضاع من وضع يد الميليشيا على مختلف مؤسسات الدولة السيادية، وفرض نفسها لاداء وظيفة الدولة في مختلف اجهزتها خصوصا الجيش والامن.


يتحمل عبدالملك الحوثي شخصيا ومعه كل قادة ميليشياته الميدانيين -وتفرغاتها الطارئة المضللة بتسمية اللجان الشعبية- الذين اداروا عملية استباحة العاصمة المسؤولية السياسية والامنية والاخلاقية عن دماء هؤلاء الابرياء الذين خرجوا للهتاف باسمه وترديد مطالبه وممارسة الضغط لتاكيد سلطته، ومن الهراء والعدمية اغلاق الملف على اتهام اطراف خارجية..

ذلك أمر غير مقبول بالمطلق، حتى وان كان دأبهم الدائم للتغطية على انكشاف عورتهم الامنية في المناطق التي يضعون اليد عليها وعلى اجهزتها والتي طالما سوقوها كتجربة مثالية واعدة لادارة الدولة رغم كل التعتيم على الانتهاكات والتحلل من قيود الدولة معةالحرص على ابقائها شكليا.


كما وتحصل فيها اختراقات امنية مهولة كسلسلة تفجيرات وعبوات ناسفة في صعدة وسط مظاهرات الحوثي والاسواق وصولا الى التفجيرات الاخيرة في عمران قبل اسابيع.. إذ عادة ما يغلقون الملف على اتهام عدمي للاستخبارات الاجنبية والشيطان الاكبر.


هذا استهتار بدماء الناس وارواحهم، وقتل معنوي لعشرات الاسر التي تفقد اطفالها ورجالها المجندين في كتائب الحوثي، او من غيرهم، فيما الحكومة الفاشلة الغاشمة كما يصفها الحوثي تبقي الملفات مفتوحة وتتوعد بالقصاص ويحدث أحيانا ان يصل الى خيوط بعض الخلايا المنفذة للجرائم، أما سلطة الحوثي فتسارع بلملمة عورتها المنكشفة على عشرات الضحايا بالحديث عن اطراف خارجية يسوقها ويخادع بها اتباعه المساكين المكلومين، وفيهم مشروع قتلة او ضحايا، وكثير منهم مجندون في سن الطفولة.


بكل أسى وحسرة، لا يستطيع اي منصف ان يحمل سلطة الرئيس هادي الواقعة تحت وصاية الامر الواقع المسؤولية، ذلك ان عبدالملك الحوثي اصبح صاحب سلطة القرار الاولى والنافذة، حتى ان الرئيس المحاصر في دار الرئاسة جرب اختبار بقايا سلطة قراره بتعيين بن مبارك رئيسا للوزراء، فارغم على التراجع عن القرار في غضون اقل من ثمانية واربعين ساعة، وهي توازي المهلة المقررة لاختيار رئيس الحكومة التي تطاولت الى ١٧ يوما عادت بعدها بقوة الحوثي وحدها الى مربع الصفر.


وبذات منطق تحميل المسؤولية في حالة الجريمة الدموية على اطراف خارجية كشماعة لا غنى عنها، أعلن الحوثي، رفضه لبن مبارك مرشحا لرئاسة خكومة باعتباره مرشح السفارات الاجنبية.


يتحدث الرجل عن السفارات الاجنبية في وقت يتعامل كوكيل لايران وآخر الشواهد المؤكدة لذلك الضغوط التي مارسها على الذي وجه بالافراج عن بحارة يمنيين ادينوا بتهريب اسلحة ايرانية قاتلة وفتاكة لليمن، ومحتجزين ايرانيين اخرين في الامن القومي.


الحوثي هو الحاكم، وهو صاحب اليد العليا، وهو مركز صنع القرار اليوم، وهو بذلك؛ يتحمل جزءا مهما من المسؤولية عن الجرائم التي تقع خارج نطاق سلطته بما هو واضع اليد على مركز الدولة والمتحكم في قرارها السيادي، وتلك تفرض عليه التزامات تحتم ان يتحملها دونما مغالطات، بغض النظر عن رفضنا لها اذ هو الواقع الماثل الى حين.


ساتحدث بحسن نوايا وسذاجة مفرطة معولا على صحوة ضمير الحوثي تجاه وطنه، وشعبه وانصاره بما هم جميعا مواطنون يستحقون الحياة والامان.


أمام الحوثي مسؤوليات والتزامات كثيرة ان كان يستشعر مسؤوليته الوطنية والاخلاقية تجاه من يسميه شعبه، تجاه مواليه وانصاره ان لم يفكر بغيرهم، إن كان يكترث لدمائهم.


نتمنى ان يتداركها حفاظا على النسيج الاجتماعي، فالناس يذكرون من عمل لاجل حياة الناس لا من فتح لهم ابواب الجحيم، واسهم في اشعال فتن طائفية في البلاد.


الحوثي معني بسحب ميليشياته من صنعاء وكل المدن، وتسهيل استعادة هيبة الدولة الهزيلة ورد اعتبارها ووظيفتها التي صادرها واحتلها بقوة السلاح بعد معركة همجية استباح بها احياء في العاصمة بسكانها ومساكنها، ولتتظافر جهوده وشعبيته مع جهودنا لنضغط بفعالية باتجاه بناء دولة محترمة ومسؤولة ونراقب ادارتها بفاعلية بما يمكنها من اداء وظيفتها بالشكل الأنسب، وحماية جميع مواطنيها بلا استثناء، وحفظ مصالحهم ومستقبل ابنائهم.

 

الحوثي معني بتبني مبادرة وطنية بعيدا عن غرور القوة واستعراض السلاح والمجندين في مناطق سيطرته، بعيدا عن التباهي بسلطة التأثير على صنع القرار، مستحضرا بمسؤولية مشهد دماء الابرياء الذين قتلوا في تفجير مروع يوم الخميس الدامي.


مبادرة جادة، من موقع قوة ومسؤولية المنتصر النبيل، ستسجل في التاريخ لصالح المستقبل والاجيال، يكتفي معها بشعبيته الكبيرة التي تؤهله لتمثيل حيوي بارز ومستحق في الحكومة والهيئات المنتخبة؛ على ان ينسحب بموجبها رصيد القوة وادواتها، سلاحه وجميع الميليشات البلقانية الاخرى بالتزامن لصالح الدولة، والدولة الوطنية وحدها، بما يضمن بقاء سلطة القوة وحماية خيارات الشعب بيد جيش وطني يتنازل لاجل بنائه الجميع بما يمكنه من اداء مسؤولياته الدستورية والقانونية تجاه الوطن وسلمه الاهلي، ومن يرفض ذلك سيصبح غريما للدولة وخصما للشعب للشعب، الذي سيكون معنيا بالاصطفاف الحقيقي في مواجهته، ومن منظور وطني خالص.


التحول الذي وقع بالامس خطير على السلم الاهلي، وينذر بموجة عنف دموية طائفية مروعة نحن في غنى عنها، وبما أن الحوثي مسؤول حتى اللحظة عن جزء مهم من اسباب اثارتها فهو مسؤول بما هو سلطة امر واقع أيضا، ومعني بالانسحاب وتلافي اسباب الحرب الطائفية وتعزيز حضور الدولة الوطنية وتمكينها من اداء وظيفتها في حمايته واتباعه وحمايتنا على حد سواء، بما يفوت الفرصة على حروب طائفية لن تتعاف منها البلاد لسنوات وربما لعقود ولن يسلم من نارها أحد، ناهيك عن احتمال تدخلات اقليمية ودولية ستجد اليمن مسرحا مناسبا لتصفية صراعاتها المستفحلة فيها.


وبغير ذلك فسيتحمل، الحوثي وجماعته، وزرا ومسؤولية اكبر تجاه مستقبل كارثي طافح بالدماء تؤشر اليه كافة تفاعلات العنف القائمة حاليا تبعا لكافة الممارسات الطائفية المجنونة، والتي توشك ان تؤكد سقوط البلاد في مستنقع الحروب الطائفية.


بالنسبة للتيار الوطني والسياسي فسيتخط طريقه المستقل عبر مبادرة مدنية ترفض دورة العنف ومشاريع العنف والدمار والنزعات الطائفية الصغيرة.. التيار المدني ينطلق من رؤية وطنية جامعة تشمل جميع الرافضين لدورة العنف والارهاب ولا تقر بغير سلطة الدولة وتكافؤ الفرص والمواطنة المتساوية.


لن نكون طرفا في أي حرب طائفية، ولن نصطف مع اي طرف في موجة العنف والبربرية الهمجية والعنف المضاد.. سنواجه كل المشاريع الصغيرة بمشروع وطني ومدني كبير وجامع ينشد الدولة والمواطنة، والسلم الاهلي والمستقبل الامثل لأجيالنا.


علينا ان نتذكر جميع ومن منطلق المسؤولية، ان المقامرات والمغامرات الطائشة لا تكون بمستقبل البلاد وسلمه الاهلي، ذلك انها ليست مجالا لان تكون مجرد حقل تجارب ثمنه عقود من الحروب والتشرد والدماء والدمار.

 


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك