في الاغتيالات والعنف الشائع.. استذكار لروح أمجد عبد الرحمن (2)

في الحالة اليمنية لا يقتصر الأمر على هشاشة التجربة الديمقراطية المتعثرة ولكن نحن إزاء بلد آلت فيه الأوضاع السياسية إلى حرب عقب ثورة شعبية ولهذا فإن الإرهاب سيتمدد ليس لأنه يستغل التعددية على نحو سيئ ولكن لأنه يعيش على اختلال حضور الدولة وفاعليتها الأمنية وأيضا كميكانيزم لحرب بغطاء مذهبي ضمن أغطية أخرى ليصبح الإرهابي هو الدولة/الأمن ويا لها من مفارقة.

كانت الجماعات المتطرفة منذ أن دخلت في مواجهة مع السلطات الأمنية قد وضعت قيادات الدولة والقيادات الأمنية صوب أعينها. إلا أن اغتيالها لشباب غير منضوين في عمل أمني يشير إلى تحول في أداء هذه الجماعات المتطرفة وهو الانتقال إلى مواجهة المجتمع الأعزل خصوصاً الأصوات الشابة المتنورة. ولم يكن الحال في عدن كذلك وإن كان يسري في المناطق التي كانت تخضع لسلطات الجماعات الإرهابية إلا أنها في عدن توغلت إلى المجتمع تحت ستار الحرب على الحوثيين وقاسمت السلطات الأمنية مربعات النفوذ على المجتمع وباتت شريكة في السيطرة. وفي تعز، قاد التراخي في إنجاز استعادة المدينة إلى تقاسم المدينة على شكل مربعات خاصة فتحت الباب للاقتتال وفرض كل جماعة قانونها الخاص رغم جهود السلطة المحلية في فرض إيقاع أمني واحد ولكن بعد أثمان باهظة على السلامة والسكينة وعلى العقيدة المشتركة في مواجهة الحوثي. 

العنف كدليل على الحقيقة

ينتمي أمجد إلى جيل يفكر بطريقة مختلفة أكثر رحابة سواءً في البعد الروحي أو الشأن المدني. ولهذا فإنه ينتمي إلى جيل يسعى إلى تثبيت خيارات عصرية في الحكم والحياة تتصادم مع إرادات أصولية. إنه تعارض بين جماعتين ويظهر التعارض في المقاصد والأساليب ولهذا فإن التضامن مع أمجد، مع مشروعه لا يقتصر على التضامن مع نبل الهدف ولكن نبل الوسيلة التي اختارها أمجد. لنتذكر أنه شاب عمد مع مجموعة صغيرة من أترابه إلى التفعيل الثقافي لمواجهة القبح والعنف والتجهيل. وأن إحدى خطواتهم كانت إقامة معرض كتاب في مدينة لتوها استيقظت من كابوس المواجهات العسكرية الدامية مع الجماعة الحوثية التي اقتحمت المدينة.   

  

ينتعش العنف وتتضاعف الاغتيالات في مرحلة الأزمات الاجتماعية حين ينغلق باب الحوار ويستبدل العنف والتصفية لإسكات الصوت المعارض والمختلف. وهي أسلحة أو أدوات غير متماثلة. ويلجأ القاتل إلى العنف في حالة عجزه وعدم قدرته على استمرار الحجاج. إنها هزيمة معنوية يغطيها بفعل يتجاوز مضمار الصراع الأول وينقله إلى مستوى أعلى قد يكون هو المسيطر عليه بحكم فرضه للأدوات التي في حوزته وهي النار والبارود.

كان المجتمع برمته يمر بأزمة متعددة المستويات إلا أن الجنوب يمتلك مستويات خاصة من مستويات هذه الأزمة وهو الصراع الاجتماعي السياسي وجعل مدينة عدن ميداناً للمطالبات الإنفصالية. هذا المشهد ولّد نزاعاً على الاستحواذ على الفضاء العام ومع استراتيجية مكافحة الإرهاب كانت الجماعات المتطرفة الدينية هي الأقل ظهوراً لأنها لا تمتلك المشروعية السياسية بينما كانت تنخر في المجتمع.

الحرب التي شنها الحوثيون على عدن وفرت للجماعات المتشددة غطاءً اجتماعياً لتتحرك عسكرياً لمواجهة الهجوم الحوثي الغاشم، بالتالي أفرزت الحربُ وطرد الحوثيين من عدن نتائج اجتماعية مختلفة.

وأرادت الجماعة المتطرفة أن تفرض نفسها على المجتمع أولاً قبل ان تفرض نفسها على المشهد السياسي. اختارت لها خصماً مجرداً من السلاح يسهل قمعه عبر بث الرعب وإغلاق مجال النقاش والحجاج. وهي بهذا توفر مناخاً سهلاً لعسكرة الحياة السياسية وملشنة الفاعلين في بيئة دينية خصبة تنخر في المجتمع لسنوات طويلة.

فالقاتل لم يكن يريد الخلاص من عقبة كأداء فقط أمام مشروعه القروسطي. بل أيضاً يمارس هيمنته على الفضاء العام وتعمد إشاعة الرعب وإرهاب المجتمع. اغتيال أمجد وما تبعه من عنف معنوي هو بيان السيطرة على الفضاء العام في مجتمع عدن. لا يبدو هذا المشهد التراجيدي غريباً. إنه مشهد سينمائي أو لنقل تليق به شاشات السينما لأنه مفارق وفظ لم يحترم الموت ولا العواطف، لكنه للأسف حقيقة وقعت وتجسدت.

فالقاتل فرداً أو جماعة لا يرى في الإغتيال سوى الشر الضروري إذا استعرنا المفردة الفلسفية لدى منظري الثورات. لكنه بالوعي المدني اغتيال للضمير الجمعي. أي أن الجماعة انتقلت من استراتيجية بروباغاندا العنف الشفاهية أو المكتوبة إلى إشاعة العنف بالأفعال.

ويمكن تلخيص جريمة اغتيال أمجد من خلال تصادم آليتين إحداهما تقصد السيطرة وتوظف، من أجل غايتها تلك، العنف، والأخرى توظف الإقناع والجذب من خلال الحجة والعقل. إنه الخطاب العقلاني في مواجهة البارود. وهذا ما يضع فارقاً كبيراً في شرعية الفعل وتوصيفه ليكون مقتل أمجد جريمة شنيعة.

لقد كانت مفردات وتصرفات أمجد تنتمي إلى العقلانية بينما كان قاتله ينتمي إلى نقيضها. فأمجد ينتمي إلى ويطالب بـ مجتمع مدني حيث يتقلص العنف إلى حدوده الجنائية الدنيا وتعلو قيمة الحياة. لأن المجتمع المدني هو وليد العقلانية كما في تجارب المجتمع الغربي على سبيل المثال الذي ظهرت فيه الدولة وتهذب سلوكها بالعقلانية لتصبح دولة مدنية لا عسكرية ولا دينية.

استخدام توصيفات للجريمة تعود إلى حقل مفردات النعوات التي توظف في السابق أو حاليا للأوبئة القاتلة. وهي من الطبيعة التحذيرية. هذا لأن التطرف وباء؛ من حيث كثافة الضرر وعدم إمكانية النجاة والحضور المكثف للجريمة. واشد من ذلك حالة العجز الفردي في مقاومته.


* المقال خاص بالمصدر أونلاين


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك




صفحاتنا على الشبكات الاجتماعية


-->