حصار الحوثي والتحالف على تعز

ارتكبت مليشيا الحوثي جريمتين جسيمتين في حق تعز وسكانها، الحرب والحصار، وإذا كانت جريمة الحرب قد خلفت الكثير من الضحايا والشهداء والجرحى، وتسببت بآلام لا يمكن أن تنسى، وجراح غائرة ليس بمقدور أحد أن يعالجها، فإن جريمة الحصار تركت وراءها كوارث كبيرة، ليس أولها صعوبة التنقل من المدينة إلى أرياف تعز، ومن المدينة إلى المدن الأخرى أو إلى خارج اليمن، وليس آخرها عرقلة وصول الأدوية والاحتياجات الأساسية والمساعدات الإنسانية.


لقد مثل الحصار الحوثي على المدينة حربا مكتملة الأركان، وتأثيراته الكارثية لم تقتصر على المحاصرين داخل المناطق المحررة، بل وصلت إلى المناطق الواقعة تحت سلطة الميلشيا، فسكان الحوبان والمناطق الممتدة على طول الطريق الواصل بين تعز وإب، ليسوا أقل ألما وعذابا من سكان المدينة، فقد فرض الحصار حالة قسرية من الانقسام الأسري، حيث لا يمكن للأب في مدينة تعز زيارة ابنته في الحوبان، وآخر في الحوبان غير قادر على لقاء والدته في المدينة، وهو ما يجعل الحصار ساريا على كامل المناطق الخاضعة للحوثي أو المحررة منه، مع الأخذ بالاعتبار أن أبناء تعز في مناطق سلطة الحوثي يعيشون حصارا إضافيا، يتعلق بحرياتهم الشخصية والعامة.


وطوال السنوات الثقيلة الماضية، اتخذ الحوثي من حصاره لمدينة تعز وبعض أريافها استراتيجية مرتبطة بتأمين كيانه الوجودي الطارئ، فهو يعلم أن خروج المناطق الشرقية للمدينة التي يحتلها ويفرض منها حصاره العسكري على المدينة، يعني تهديدا مباشرا لوجوده في محافظة إب، والتي إذا ما تحررت يمكن أن تغير موازين القوى لصالح الشرعية، وتؤذن بسقوط الضالع وذمار، وهو الأمر الذي يتهدد تواجده في بقية المحافظات.


بالإضافة إلى ذلك، فإن الحوثي اتخذ من حصار تعز ورقة سياسية تحسن من موقعه التفاوضي مع الشرعية في أروقة الأمم المتحدة والمحافل الدولية، وساعده في ذلك تجاهل الأمم المتحدة والعالم لمأساة تعز، التي لم تفعل البند المتعلق بفك الحصار في اتفاق ستوكهولم، وهو ما يجعل الأمم المتحدة شريكا في حصار تعز.


كانت سياسة "تحالف تقويض الشرعية" هو العامل الأبرز الذي قدم خدمة لميلشيا الحوثي وساعده في استمرار قبضته على مدينة تعز، حيث رأى التحالف أن حصار الحوثي يخدم رؤيته الخاصة بتحرير تعز، والتي كان يتحكم بمجرياتها الميدانية بالقلم والمسطرة، فالحرب العسكرية كانت؛ ولا تزال، الحل العملي لفك حصار الحوثي، لكن الإمارات عرقلت كل فرص التحرير، لأن تعز تدين بالولاء للدولة، وليس للمليشيات أيا كان مصدرها، ولأنها رفضت استبدال مليشيا الحوثي بمليشيا الامارات.


وعندما كافحت المدينة لفك الحصار بشكل جزئي، فرضت الامارات حصارا آخر عليها، في الفترة من مارس وحتى أغسطس 2016، لدرجة أنها هددت بعض وحدات اللواء 35 بالضرب بالطائرات، عندما أرادت مشاركة بقية الألوية فك الحصار من الجانب الغربي للمدينة، بل إن القصف الجوي الذي تم من قبل التحالف، كان محدودا لإحداث توزان ضعف بين المقاومة والحوثي، بحيث لا تتمكن المقاومة من طرد الحوثي من أطراف المدنية، وفي نفس الوقت لا يستطيع الحوثي الاستيلاء على المدينة، ولنتذكر أن دبابة سوفتيل التي ارتكبت مجازر بحق أبناء تعز، لا تزال متربعة ولم تقصف من قبل التحالف.


وفق هذه الوقائع، فان التحالف السعودي الإماراتي هو الذي يتحمل وزر المعاناة الكارثية لتعز وسكانها، ليس لكونه المتسبب الرئيسي في استمرار الحصار الحوثي على تعز، الذي لولا تعمده عرقلة تحرير المدينة، لحسابات خاصة به، لما ظلت تعز محاصرة كل هذه السنوات، بل لأنه يمارس، أيضا، حصارا مباشرا عليها، فاذا كانت مليشيا الحوثي تحاصر مدينة تعز من أطرافها الشرقية والشمالية، وبعضا من اجزائها الغربية، فإن الامارات تحاصر تعز كلها من المدخل الغربي للمحافظة، فقد احتلت عبر ميليشياتها المخا ومنعت تحوله لمنفذ اقتصادي للمدينة، وعرقلت تحرير بعض المناطق الريفية التي تقع بين المخا والمدينة، فضلا عن أنها وضعت مليشيا أبي العباس في الكدحة كقنبلة موقوته في ريف الحجرية على الطريق الوحيد بين تعز وعدن.


المعطيات السابقة، أدت الى نتيجتين مهمتين، الأولى مرتبطة بصعوبة تحرير أطراف المدينة من مليشيا الحوثي، بسبب الخطوط الحمراء التي تضعها الإمارات والسعودية على عملية التحرير، والثانية متعلقة باستحالة سيطرة الحوثي على مدينة تعز بسبب صمود الجيش وأبناء تعز ضد المليشيا، ولذا فإن الحوثي يجد نفسه مضطرا للتلويح بفك الحصار الاقتصادي بشكل شبه جزئي، عبر تقديم مبادرة فتح بعض الطرق لمرور الناس والبضائع، وهذه المبادرة بقدر ما تدل على إيمان الحوثي بهزيمته في إركاع المدينة لسلطته، بقدر ما تشير إلى فشل السعودية في حربها مع الحوثي.


بالطبع لا أحد ضد فتح الطرقات، والتفريج عن الناس الذين ضافت بهم سبل الحياة، لكن ما يجب الإشارة إليه هو التنبه لأمرين، الأول خطورة الترويج بأن ما يقوم به الحوثي يعد انتصارا له، لأن ذلك ليس صحيحا، والأمر الثاني ضرورة الاستعداد العسكري الكامل من قبل الجيش بتعز، لأن مبادرة الحوثي ربما تحمل في طياتها "فخا" لابتزاز أبناء المدينة أو اختطاف أبنائها، أو التسلل عبر الطرقات المفتوحة لإحداث اختراق أمني أو عسكري ما.


وفي كل الأحوال فإن المطالبة بفك الحصار عن تعز، هي واجب ملقى على مليشيا الحوثي، لكنها لا تنحصر عليها فقط، بل يجب أن تشمل أيضا مطالبة الإمارات بفك الحصار عن تعز، من جهة المخا والمناطق الممتدة حتى باب المندب، وفي نفس الوقت فإن الحديث عن فك بعض المعابر، يجب ألا يكون على حساب عملية التحرير، لأن الحوثي قد يبني على قصة فتحه لبعض الطرقات تسوية سياسية، كمثل تسوية الحديدة التي تبقيه محاصرا دائما لتعز ومتحكما باقتصادها.


* المقال خاص بالمصدر أونلاين


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك


-->