اليمن.. المعادلة بين الحكم الذاتي والحفاظ على الوحدة اليمنية

ترجمة خاصة بالمصدر أونلاين:

لا يزال الاهتمام الدولي بالنزاع في اليمن يركز بشكل كبير على الأبعاد الإنسانية للأزمة، والمنافسة السعودية الإيرانية على المزايا هناك، وجهود الأمم المتحدة المكثفة لإعادة الأطراف إلى طاولة المفاوضات. لكن جانب آخر من جوانب النزاع قد تكون له عواقب أكثر أهمية على المدى الطويل بالنسبة لليمنيين والمجتمع الدولي على حد سواء: انخفاض أهمية صنعاء في قلب دولة يمنية موحدة وتزايد الحكم الذاتي المحلي في أجزاء كبيرة من البلد.

لقد سنحت لي الفرصة مؤخراً للانضمام إلى وفد نظمه مجلس الأطلسي زار عدن كجزء من جولة إقليمية. وكانت هذه أول زيارة لي إلى اليمن منذ انتهاء فترة ولايتي كسفير قبل ست سنوات تقريباً. وبدا أن شوارع عدن هادئة ولكنها غير مستقرة. إلى جانب بعض الأدلة على القتال الذي وقع مؤخرا، بدت المدينة على ما يبدو دون تغيير إلى حد كبير عن زياراتي السابقة، وكانت علامات الحياة الطبيعية - من أسواق الأغذية إلى طاولات البلياردو الموجودة على الأرصفة كتسلية شعبية -وفيرة.

لكن عدن هي مدينة مقسمة بين معاقل الحكومة الشرعية والمجلس الانتقالي الجنوبي الذي يقوم، بدعم من الإمارات، بالهيمنة عليها. وكان مسؤول إماراتي رفيع المستوى قد أشاد في السابق بفضائل الجنوبيين الذين وصفهم بأنهم حلفاء مخلصون وملتزمون للقوات الإماراتية في اليمن. كما تهيمن أعلام جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية السابقة على أجزاء من المدينة التي يسيطر عليها المجلس الانتقالي الجنوبي، وترفع هذه الاعلام على أعمدة الانارة وكذلك على الجدران، إلى جانب صور شهداء المجلس الانتقالي، وعلى النقيض من ذلك، كانت الأحياء التي تسيطر عليها الحكومة، التي تميزت بلوحات إعلانية تضم الرئيس عبد ربه منصور هادي، أصغر حجماً وقريبة من المجمع الرئاسي الساحلي حيث التقينا بممثلين حكوميين.

إن اجتماعنا مع رئيس الوزراء اليمني الجديد المثير للإعجاب، الدكتور معين عبد الملك سعيد، كان على وشك ألا يحدث. حيث وجهتنا العناصر الامنية التابعة للمجلس الانتقالي والتي تم اسناد مهمة مرافقة وفدنا في جميع أنحاء المدينة إلى مقر المجلس الانتقالي الجنوبي على الرغم من أننا أوضحنا أننا نريد أن نرى الحكومة الشرعية أولاً. ولو لم نصر على تحويل الموكب للحفاظ على موعدنا مع الحكومة، فمن المرجح أن تكون قيادة المجلس الانتقالي قد اختلقت اعذارا لتأخير زيارتنا إلى مجمع الحكومة الى حين مغادرة البلاد.

وبصرف النظر عن هذه التوترات السياسية، فمن الواضح أن العدنيين يبذلون قصارى جهدهم لعيش حياة طبيعية على الرغم من وضعهم المعقد. وفي هذا الصدد، فإن الحالة في عدن تعكس تطورات مماثلة في أماكن أخرى من البلد المقسم. حيث تعكس التقارير الواردة من أقصى الشمال، في محافظتي مأرب والجوف، التقدم الذي يحققه اليمنيون خارج المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون في جهودهم لبناء حياة جديدة. وقد عكس الزوار مؤخراً نمو مأرب كمركز تجاري للشمال، مدعوماً بعائدات النفط والغاز التي تتدفق إلى المحافظة ولم تعد الحكومة المركزية تحتجزها. يضع القائمون على المدينة في الجوف :المحافظة القديمة ا، شبكة حضرية من الشوارع في المدينة حيث يحضر رجال القبائل إلى سلطات المدينة لتقديم طلب للحصول على تصاريح بناء. أما في مأرب، هناك حديث عن مطار جديد. وفي كلتا المحافظتين، أنشأت السلطات المحلية محاكمها القانونية الرئيسية، لمعالجة المشاكل التي طال أمدها فيما يتعلق بوصول مواطنيها إلى العدالة، وتملك مأرب الآن محكمة استئناف أيضاً.

لا يمكن للمرء أن ينتقد اليمنيين على جهودهم لبناء مستقبل لائق لأنفسهم ولأسرهم بعيداً عن الصراع الأهلي المدمر. في الواقع، إن التقدم السياسي والاقتصادي والاجتماعي في مأرب والجوف وعدن هو انعكاس مشجع لما يمكن أن يحققه اليمنيون عندما تتاح لهم الفرصة. إن نجاح هذه التجارب في مجال الحكم المحلي يعزز الرأي القائل بأن اللامركزية وتعزيز الحكم الذاتي المحلي عنصران حاسمان لبناء يمن أقوى وأكثر أمنا ً وازدهارا في المستقبل.

ولكن استمرار نقل السلطة يشكل مخاطر أيضاً. كلما أصبحت هذه الهياكل المحلية أكثر عمقاً في الحياة اليمنية، وكلما أصبحت مغناطيساً لليمنيين الذين يسعون للهروب من الصراع الذي يمزق البلاد، كلما أصبح من الصعب إعادة بناء يمن قابلاً للحياة وموحداً عندما ينتهي الصراع. ومن المفهوم بما فيه الكفاية أن الجهات الفاعلة الدولية، من الحكومة الأميركية إلى البنك الدولي، تنظر في التطوير الجاري للهياكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية اللامركزية وتنظر في كيفية التنسيق معها لتوفير المساعدة للشعب اليمني وماهو في أمس الحاجة اليه. ومع ذلك، فإن مصالح اليمنيين وكذلك المجتمع الدولي سوف تخدم في نهاية المطاف من خلال الحفاظ على اليمن موحدة، وتجنب تطوير العديد من الاقاليم التي من شأنها الحفاظ على الصراع، وتصبح دعوة مستمرة للخارج للتدخل، وزعزعة استقرار اليمن وبالتالي على دول منطقة الخليج بشكل اوسع . وبالتالي، يحتاج اليمنيون وأصدقاؤهم ومؤيدوهم الدوليون إلى المضي قدماً في هذه المشاريع بحذر، مرحبين بالإغاثة التي يقدمونها لملايين اليمنيين، ولكن دون أن يغفلوا عن الهدف الطويل الأجل المتمثل في الحفاظ على اليمن موحدا.

نقلا عن معهد الشرق الاوسط


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك




صفحاتنا على الشبكات الاجتماعية


-->