‏الراقصة والطبال

لعلك إن شاهدت هذا الفلم الاسطوري للعملاقين احمد زكي ونبيلة عبيد فإنك لن تنساه أبداً، فحيث يجتمع العملاقان ينتجان أعمالاً خالدة غير قابلة للنسيان. 

‏كان فلم "شادر السمك" أيضاً ملحمة فنية اجتمع فيها زكي ونبيلة عبيد‏يتملكك شعور بالرغبة في الدخول إلى الشاشة وتقبيلهما معاً لأنهما منحاك تلك اللحظات التي لاتتكرر.

‏لحظات من الاندماج مع الأداء، ولحظات من الإنبهار، والأروع هو لحظات وقوفك مع نفسك لأخذ العبرة من تلك الأعمال البديعة. 

‏لعل ما شدني في الراقصة والطبال هو اكتشاف احمد زكي لنبيلة عبيد كراقصة وإصراره على تحويلها إلى راقصة كبريهات مرموقة بعد أن كانت راقصة موالد تتقاضى ملاليم.‏

اجتهد كثيراً لتحويلها إلى نجمة، باع عفش بيته لينقذها من الموت حين كادت الزائدة الدودية أن تفتك بها، ثم نجح ونجحت في التحول إلى نجمة استعراض شهيرة.. ‏إلى هنا يمر كل شيء بسلام وتناغم.‏قبلها ارتمت في حضنه وطلبت منه الزواج بعد أن تماثلت للشفاء بعد العملية الجراحية لكن زكي كان يطمح للأكثر، كان يطمح للمجد لمجدها ومجده،‏ ومن ثم تتصاعد حالة زكي في اعتقاده أن الطبلة هي الأساس، وهي كل شيئ ‏بينما ينفتح باب جديد أمام نبيلة عبيد وهو باب السهرات الخاصة.‏ بات عليها أن تمنح جسدها بحثاً عما تعتقده اكتمال المجد، فقد ماتت مشاعرها عندما نهرها زكي يوم طلبت منه الزواج وعلمها الدرس الأهم وهو أن لا وقت لهذا الهراء وأن المجد يجب أن يكون هو الهدف الذي تركز عليه.

‏فهمت نبيلة الدرس جيداً، وأصبحت راقصة مكتملة الأعطاف، ودخلت في (سكة اللي يروح ما يرجعش)، لكن الطبال كان قد وصل إلى ذروة حالته النفسية التي تم تقديمها لنا بكامل التعقيد. 

‏كنت أتساءل وأنا أشاهد الفلم: لماذا يصر الطبال على إقناع نفسه والآخرين أن الطبلة أهم من الراقصة، لماذا لا يتعايش مع واقع أن الطبل والوسط رديفان يكمل بعضهما الآخر؟ هنا كان تعقيد القصة وحبكتها، يذهب الطبال إلى الراقصة في بيتها الفخم بعد أن صارت من علية القوم ليذكرها بالشرط الجزائي الذي كان بينهما عشرة آلاف جنيهاً على ما أذكر.‏كان يعتقد أنه سيعجزها بهذا المبلغ لكن هذا المبلغ أصبح بالنسبة لها بسيطاً، أعطته اياه وعرضت عليه أن يعمل معها، لم يتقبل الطبال الفكرة، عرض عليها الزواج وانهار كل شيء.

‏استطاع بعد عناء أن يقنع مدير صالة المرقص أن يقدم وصلة استعراضية بدون راقصة ليثبت له أن الطبلة هي الأساس وأن الراقصة ليست سوى (كمالة عدد).

‏لن أنسى ذلك المشهد؛ أحمد زكي يقف على ستيج المرقص ويتقدم صف الموسيقيين (والآلتيه) ويقف بكل شموخ وكبرياء ويبدأ بدق طبلته، تتوقف الدنيا عند هذا المشهد أوقفت الفلم لدقائق لم استطع الاستمرار، كيف استطاع أحمد زكي أن يبدع في رسم هذه الصورة.‏توقعت رد فعل الجمهور ولهذا كنت خائفاً من استكمال الفلم، ضغطت على الزرار لأكمل المشاهدة.‏

صاح الجمهور مطالباً بالراقصة، ‏لم يفهم الطبال الدرس، استمر في الإيقاع رافعاً رأسه بشموخ ويتمايل مع إيقاع الطبلة،‏من يستطيع أن يجسد هذا المشهد؟ من يستطيع ان يعيش هذه الحالة اللا متناهية من تجسيد حالة العناد!‏ثم يقوم الطبال بإلقاء محاضرة عن أهمية الطبل ودقاته ويشرح لهم أن الله عندما خلق القلب للإنسان جعل من أهم ميزاته أنه (يدق)، ها هو الطبال يشرح نظريته الفلسفية للجمهور لعلهم يفهمون مالم أستطع أن أفهمه أنا أيضاً..‏ يرمي الناس عليه المأكولات مطالبين برحيله، ثم تأتي الراقصة فيرمي عليها الحضور المال ويتحفنا المخرج بلقطة قدميها وهي تدوس على المال المرمي بين قدميها.

‏تنتقل المشاهد بين الراقصة التي يعلو مجدها وبين الطبال الذي تحول الى(شمام) مدمن للمخدرات، يقتحم الحفلة يصيح بأعلى صوته: أنا الذي صنعتها أنا الذي اتيت بها.. أنا.. انا.‏لم يكترث أحد سوى أمن المرقص الذي سحبه إلى الخارج وأعطاه نصيباً كافياً من الضرب ليقع بعدها بين أرجل عادل أدهم الممثل الذي أبدع أدوار الشر وجعل لها بريقاً مختلفاً.

‏ثم يمنحنا أحمد زكي تلك اللقطة البديعة وهو ينهض بصعوبة بالغة ثم يرفع يده لعادل أدهم ووجهه ملطخ بالدماء، ‏ثم وهو يهيم في الشوارع ممسكاً الطبلة في يده ويقول (السح ادح امبوه.. ادي الواد لابوه) لست أدري إن كان للكاتب فكرة سياسية أراد إيصالها من وراء خصر نبيلة عبيد وأنامل أحمد زكي.

‏لكني على يقين أنك ستخرج بانطباعات عديدة، سترى حاكماً مستبداً وترى سلطة مغرية وترى أموال شعب تنهب، ‏وترى صديق لك أصابه الغرور وترى صديق آخر تنكر لك وترى نفسك وأنت تخذل نفسك عندما تصدق نفسك أنك محور الكون وأن لا شيء سيكون على ما يرام إلا بوجودك.

‏سترى كيف كانت السينما وقصصها وأبطالها يجعلونك تحلق في السماء السابعة‏ثم ترى كيف هبطت بنا اليوم إلى سابع أرض.


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك


-->