"الجنوب" في عهدة السعودية!

إلى أين يتجه الجنوب؟ ومن المنتصر والخاسر من أحداثها؟، لن تجد الإجابات في أي مدينة يمينة، صوب وجهتك إلى "جدة" السعودية، التي أضحت قبلة الجنوبيين المتصارعين على "وهم السلطة"، يستوي في هذا الوهم، الذين في جلباب الشرعية أم خلف عباءة الإمارات، فكل الطرق تؤدي إلى جدة، وكل النتائج تؤول إليها.

فالتطورات الأخيرة في مناطق الجنوب؛ عدن وأخواتها، سواء منها التي تحت سيطرة مليشيا الانتقالي أو التي في نطاق الحكومة، تشير إرهاصاتها السياسية إلى أن الجنوب؛ المتنازع عليه، لن يذهب - عمليا - لا إلى الجنوبيين المصابين بـ"فوبيا الوحدة"، ولا حتى إلى الجنوبيين الموالين للـ"اليمن الاتحادي، كل ما في الأمر أن هذا الجنوب سينتقل من عهدة الإمارات إلى عهدة السعودية، في عملية استلام وتسليم بين دولتين تدخلتا في اليمن قبل أربع سنوات، ضمن خطة غير معلنة لتقاسم النفوذ الجيوسياسي للمناطق المحررة من مليشيا الحوثي، بحيث تذهب المناطق البرمائية وثرواتها إلى الإمارات، والمناطق النفطية وثرواتها إلى السعودية.

المقاومة الشعبية وشبه الرسمية التي واجهت خطط "التحالف السعودي الإماراتي"، أفضت إلى إفشال المخطط الإماراتي في تحقيق أهدافه، رغم كل الإمكانيات العسكرية واللوجستية الذي تمتلكها الإمارات والدعم الدولي غير المعلن لتحركاتها، صحيح أن الإمارات نجحت في تأخير عملية استقرار الجنوب عبر تفخيخه بالمليشيات التابعة لها، وصحيح أيضا أنها نجحت في تنفيذ انقلاب على الشرعية بعدن، لكنها (عمليا) فشلت في النتائج المتوخاة من كل هذه الفوضى، بمعنى أنها لم تسطع أن تحقق الهدف النهائي، وهو التحكم بالمناطق الساحلية وإدارة ثرواتها، فقد أتت النتيجة عكسية باتجاه أضحت فيه الإمارات دولة مارقة تمارس أعمالا احتلالية، وهو ما جعل السعودية تتجه بسرعة لمعالجة الفشل الإماراتي، ومنع ذهاب المناطق الساحلية اليمنية؛ الجنوبية خاصة، بعيدا عن محيطها الجيوسياسي.

من هنا يمكن فهم التدخل السعودي التالي بعد انقلاب العاشر من أغسطس الماضي، والذي يؤطر في اتفاق جدة، التي تفضي نتائج بنوده، إلى نتيجة واحدة، مفادها بأن المناطق الجنوبية التي كانت بيد الإمارات تنتقل إلى "العهد السعودي"؛ أو بتعبير أدق "الوصاية السعودية"، وهو عهد سنشهد فيه جنوبا موحدا، بديلا عن الجنوب المنقسم دمويا، وهذا الانقسام لم يكن يمنيا- يمنيا، بمعني أن الجنوب قبل انقلاب عدن، كان جنوبا سعوديا وآخر اماراتيا، أما الان فهو يتجه إلى أن يكون سعوديا فقط، وهذا التوحد القادم رغم غرابته، إلا أنه أقل خطرا، إذا ما قسناه بالخطر الإماراتي من جهة، والصراع الجنوبي - الجنوبي من جهة أخرى.

من الناحية الميدانية، فإن المناطق الجنوبية تشهد بشكل ملحوظ، تكثيفا لتواجد القوات العسكرية السعودية، فمع كل انسحاب عسكري اماراتي تحل بديلا عنه قوات عسكرية سعودية، وهي القوات التي تتسع تحت مبرر ملء الفراغ الإماراتي، وتتحرك تحت غطاء سياسي جديد، اسمه حوار جدة، وتشير الكثير من التصريحات غير المعلنة لبعض مسؤولي الشرعية، بوجود تخوفات من هذا التوسع العسكري السعودي، حيث أن الرياض تزيد من حجم جنودها وقواعدها في جنوب اليمن، مستثمرة العقدة اليمنية من الإمارات، حتى أن وكالة اسوشيتد برس نقلت تأكيدات عن مصادر حكومية بهبوط (15) طائرة عسكرية سعودية في مدينة عدن، وهو هبوط جوي تزامن مع وصول قوات برية سعودية إلى محافظتي شبوة وحضرموت.

لقد صمتت المملكة عن الانقلاب الإماراتي بعدن، لتقرر حقيقة سعودية، بأن وصايتها هي الحل من "الاحتلال الإماراتي"، ولأن الرياض لا تستطيع أن تتحرك بقواتها العسكرية بالشكل الذي كانت تتحرك به الإمارات، كان لا بد من بناء اتفاق سياسي توقع عليه الأطراف المتمردة والمسلحة وينال شرعية الحكومة المعترف بها دوليا، وهو ما يعرف الآن باتفاق جدة، لقد وعت السعودية درس المهرة جيدا، فقد انتشرت عسكريا هناك تحت مبررات كثيرة لم تقنع سكان المهرة، الذي خرجوا ضد السعودية بصوت واضح وجريء، باعتبارها محتلة وغير شرعية، وهو ما جعل الرياض تعيد انتشارها في عدن وشبوة، ضمن اتفاق يمني، وحماية قانونية، يضمن عدم تمرد أبناء الجنوب ويحمي سمعتها الدولية من المساءلة، ويعطيها؛ وفق تصورها، فرصة لالتقاط أنفاسها لمواجهة ما تكرر الحديث عنه، التدخلات الإيرانية في اليمن.

* المقال خاص بـ المصدر أونلاين


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك




صفحاتنا على الشبكات الاجتماعية


-->