أنا والعيد..


ليس أصعب على ساكن صنعاء من شيء كقضاء العيد فيها، يلتفت المرء حوله فلا يجد صديق أو حبيب بعد أن يكون قد غادرها غالبية سكانها لتغدو المدينة مرتع للاشباح، ورفضت دائما أن أبقى في ذلك المرتع..


في مثل هذه الأيام من كل عام كنا نتجهز للسفر إلى الحديدة، أتذكر أيام طفولتي في بداية التسعينات حين كانت الحديدة بالنسبة لي هي "البلاد حقنا"، حيث أقام كل من جدي وجدتي رحمهما الله فيها سنوات طويلة، كان والدي في الغالب من يحن الى القرية وكان يزورها بين الحين والآخر فهناك كانت تقبع ذكريات طفولته الخاصة اما انا فطفولتي وعيدي كان في عودتي إلى الحديدة، ربما اشتق اسم العيد من تلك العودة التي تتكرر باستمرار..


إنها الحديدة اذاًشارع موسى،الكثيب الساحل الجميل،ايسكريم نانا عند الجولة،سكريم حمدو،السمك من المحوات،،قراطيس الماء أبو ريال، المخلوطة وحقها الزحاوق العجيبة، مزرعة عمي (قليل عجور وشوية دخن مش مزرعة زي حق الموشكي)وبركة الماء اللي كنا نغطس فيها ونروي عطشنا واحنا صايمين(كنا صغار)،المساجد التي لم احبها واشعر بها سوى في الحديدة.


أن تكون طفلاً وتدخل مسجداً في صنعاء في ذلك الوقت كان شيئاً قاسياً، ستجد في كل مسجد شخص وظيفته الأساسية أن يمسك عصى ويلاحق الاطفال الذين يلعبون خلف المصلين، أما عن الذين قرروا التوقف عن اللعب والتحقوا بالصفوف فقد كانوا الأكثر بؤساً، حيث يتم ازاحتهم من وسط الصف ليشكلوا صفاً جديداً سيزاح من جديد حتى يلتصقوا أخيراً بجدار المسجد في أحسن حالاتهم.


لم يكن الأمر كذلك في الحديدة فقد كنت بقامتي القصيرة وبعمري الذي لم يتجاوز العشر سنوات أقف خلف الإمام مباشرة لأصدح بصوتي الحاد عندما يحين وقت (آآآآآآمين)، أتذكر كيف كنت اتعمد رفع صوتي حتى يخترق الميكرفون وتسمعه الحارة.


كانت مدينة الحديدة وقضاء العشر الأواخر فيها جنة بكل تفاصيلها، التروايح في مسجد هايل سعيد لتأخذك الجلالة وانت تصلي خلف الشيخ عمر احمد سيف بصوته الجهوري وتلاوته التي تأخذك إلى عالم آخر.كانت امنيتي أن يصبح صوتي جهورياً لكي أتلو مثل الشيخ عمر، الذي كان يلتفت إلي بعد الصلاة بوجهه الأسمر الذي يشع نوراً ولحيته الحمراء وابتسامته المشرقة بأسنانه البيضاء الناصعة.كم تعلق قلبي بحب ذلك الرجل الذي كان يقرأ القرءان في الصلاة ثم يفسره في الدرس بين التراويح، بينما كانت تأخذني تفاصيل المسجد بالمكيفات المركزية التي لا يوجد لها مثيل إلا في مسجد الأسودي..


اعتدنا في الحديدة تناول طعام الإفطار في البيت، نشرب عصير الليمون بعد عطش شديد، ثم نذهب الى المسجد في انتظار إقامة الصلاة، لم يكن في صنعاء تلك الفسحة من الوقت التي منحتها الحديدة، فالصلاة تقام بعد الأذان مباشرة، وكنت في ذلك السن شديد التدقيق لتلك الفوارق وعشت كل تفاصيلها.


ينتهي رمضان ويأتي العيد لننطلق الى المصلى الواقع في طريق المطار، نسمع التكبيرات بطريقة المكرم (توفي رحمة الله عليه) بلونه التهامي البديع، ما إن يهدأ الناس لحظات عن التكبير حتى يصيح بهم (رحم الله عبداً كبر)، لترتفع أصوات المكبرين مجدداً، وصوت المكرم حكاية أخرى فله نغمة بديعة في التكبيرات والتسابيح وأيضاً تلاوة القرءان، أما ثيابه فقد كانت بالنسبة لي مفاجآت متكررة فقد كان يبهرني كل عيد باناقة متجددة.هذا الجمال وهذا التنوع والبساطة والأناقة والرفاهية والفقر والتناقضات كلها لن تجدها إلا في الحديدة.


تقتحمني هذه الذكريات كلما اقترب العيد..يقفز الطفل الساكن في عقلي وفؤادي ليخلق فوضى الذكريات فتختلط الابتسامة بالدموع، ويهتف الطفل من وسط هذا الركام: اشتي سكريم حمدوو.


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك


-->