"صاحب الابتسامة" شاهد على عصر المليشيات

صاحب الابتسامة، توثيق سردي لملابسات اللحظة الوطنية المنحطة التي نفذ من خلالها شيطان المليشيات الحوثية المتمردة كلعنة، وانتشر في الجسد الوطني كوباء سرطاني، وعبث بمقدرات اليمن كقطيع جراد.

وما أفضت إليه هذه المعادلة الشائهة من تداعيات كارثية، في مختلف مجالات الحياة، وما آلت إليه من فرز حاد، وتمزيق للنسيج الوطني، واحتراب متمادي أكل الأخضر واليابس، ووضع الشعب اليمني في عراء الفجيعة، ومهب الجهات، وقد لبس الخوف والجوع والمرض.

يسير خط الأحداث في الرواية مع اعتمالات طاحونة الصراع التي تعتصر حياة البطل "وحيد الأمير"، الموسوم "بصاحب الابتسامة" في مفارقة ذات مغزى تجعله على دكة واحدة مع اليمن السعيد، وكأن الكاتبة فكرية شحرة أرادت القول: إن الابتسامة لم تعد ملك صاحبها، ولا طوع قلبه وهواه، كما أن السعادة لم تعد نعتاً يليق باليمن، ولا حالاً يعبر عنه، وأن الوضع سيظل هكذا حتى يبذل الشعب كل ما بوسعة للتخلص من أسباب الشقاء، واستحقاق فيض السعادة، ودوافع الابتسامة.

كان وحيد شاباً عصامياً، وصحفياً محترفاً، وزوجاً جيداً، ورجلاً متوثباً صاحب قلب مترع بالعشق للوطن والجمال، يمتلك مؤسسة صحفية، وداراً للتوزيع والنشر، والكثير من الأحلام والطموح، وهي صفات ستجعله شاهداً على كثير مما لحق بالشعب والوطن من كوارث ودمار، جراء انتفاشة المليشيات الحوثية، وتحكيم مدفعية بطشها في رقاب الناس.

اقتحمت المليشيات مؤسسة وحيد الصحفية، فور سيطرتها على العاصمة صنعاء في سياق حربها المسعورة على شهود الحقيقة، وسعيها المحموم لطمس معالم الجريمة، والتأسيس لسابقة الصوت الواحد.

صار وحيد ملاحقاً بلا ذنب، وعاطلاً بلا عمل، وبعيداً عن أهله دون جرم اقترفه، لكن ذلك كله لم يزده إلا تمسكاً بموقفه، وإصراراً على أداء رسالته، فذاق مع غيره من أبناء الوطن، مرارة النزوح، وسياط الشتات ووحشة الاغتراب داخل الوطن وخارجة، حيث يضطر الإنسان للنجاة بروحه فيخسر أشياء بقدر غلاوتها كالكرامة والسكينة، ودفئ الأسرة، وربيع الصداقة، ومصدر الرزق الكريم، والثقة بالأخرين.

عايش وحيد أوجاع الاختطاف التي طالت الدولة، والمؤسسات، والأفراد، والأحلام كما طالت الحاضر، والمستقبل المنظور. ورصد سياسة توطين، العنف، والأحقاد، والثارات، والتربص، والقلق، والذل، والأوبئة، وتداعيات ذلك كله على النفس ومنظومة القيم، والأخلاق، وكيف اضطر الفقر كثيرا من النساء للتسول والعمل على الأرصفة، وتحمل تفاهات أمراض النفوس.

وأدرك وحيد حقيقة أن الجهل هو العدو الأول للشعب اليمني، وهو السلاح الفعال الذي استخدمته المليشيات الحوثية، لإذكاء الصراع، وتقسيم الشعب الى ضحايا وجلادين، وادوات قتل تتقرب إلى الله بفعل الموبقات من قتل للنفس المحرمة، وقصف للاحياء السكين، وتفجير لمنازل الخصوم، وحصار للمدن، واختطاف للأبرياء، والسطو على أرزاق الناس ومرتباتهم، وإغلاق المصانع، وافتاح للمقابر.

ظل وحيد على قناعة تامة، أن الحياة كالحب لا توهب للضعفاء، وأن أنصاف الرجال وحدهم من يقبلون بأنصاف الحياة، وكان قلبه يتألم حين يلمس أن المليشيات الحوثية نجحت في اغتيال أحلام الشعب حتى صارت أغلى أماني الكثيرين منهم أن يدوم السوء الحالي حتى لا يأتي الأسوأ منه.

وإذا كان حمل هم الوطن والعيش من أجل قضاياه العادلة هو ديدن وحيد والبسطاء من الناس الذين ينبض الوطن في قلوبهم، ويسيرون وفقاً لتوقيته العشقي، فإن هناك الكثير من أبناء جلدتنا من جعل الحرب مصدراً للتربح، والثراء الآثم، كما يفعل بعض النشطاء الذين يتاجرون بدماء الضحايا وأوجاع والناس.

كان الحزن يكبر كل يوم في قلب وحيد وهو يرى كيف صار الوطن قوة طاردة للحب والجمال، ويشهد كيف تصطاد مليشيات الحوثي الأطفال في الأحياء والحارات وتدفع بهم إلى محارق الموت بعد غسل ادمغتهم، أو تحت سطوة حاجة أسرهم للقمة العيش، وكيف يدخل الأطفال في دوامة من الانتهاكات النفسية والجسدية، التي قد تصل حد الموت قتلا في الجبهات، أو الموت خزيا وذلا جراء الاغتصاب على يد من يخلعون على أنفسهم لقب المجاهدين المناصرين لحق السيد في الحكم، والولاية.



تعرض الرواية في جزئيها "1-2" صوراً من تحكم القبح بحياة الناس في ظل سيطرة المليشيات على مفاعيل القوة، ومؤسسات الدولة، وتعرج على جريمة تعذيب المختطفين في سجون المليشيات حتى الموت، وابتزاز أسر المخفيين قسرا، واستخدام المعارضين السياسيين دروعاً بشرية، وتعمّد وضعهم في أماكن تعد اهدافاً لقصف مقاتلات التحالف وكيف تسعى المليشيات من خلال ذلك لضرب عصفورين بصاروخ واحد حيث تتخلص من المعارضين لها، وتتاجر بدمائهم لكسب تعاطف الناس، وشيطنة الشرعية، والتحالف العربي. وحين لا يصابون بأذى تعتبر المليشيات ذلك تهمة إضافية للمختطفين الناجين بالتعاون مع التحالف، على اعتبار أنه لن يقصف المتعاونين معه.

وترصد الرواية -صاحب الابتسامة- في فصولها المتعددة، ألواناً من مشاعر الغربة في الوطن، وطرفاً من جحيم نقاط التفتيش وأساليبها في اصطياد الباحثين عن متاح للحياة، أو زيارة لري عطش الفراق عن الأهل والأحبة، وكيف صار التنقل من محافظة إلى أخرى مغامرة محفوفة بالمخاطر والأذى.

ورواية صاحب الابتسامة إذ تسلط الضوء على جرائم المليشيات الحوثية في حق الشعب والوطن، فإنها تبرز نماذج مشرقة في النضال والاستعصاء، والتضحية، والحب، والوفاء، والتراحم، والتكامل، عبر شخوص الرواية وأبطالها في العديد من مفردات الحياة.

ومع أن الموت والظلم هما اللغة السائدة في رواية صاحب الابتسامة إلا أن الحب والأمل يسيران معهما في خط متوازن، يحفظ للحياة قيمتها، ويمنح المترددين دافعًا للحركة، والانتصار لحاضر اليمن وغده.

الرواية مليئة بثنائيات الصراع الرأسي والأفقي المحتدم في أقطار النفس، وأرجاء الوطن، ومفعمة بالحركة، والأحداث، والمواقف، والمشاعر، والأحاسيس، لدرجة تجعل عرضها مهمة بالغة الصعوبة، ففي كل مقطع منها حدث، وفي كل صفحة منها حكاية، وفي كل فصل ثمة مفاجأة، وبين كل كلمة وسطر دمعة ألم، ورعشة أمل.

* المقال خاص بالمصدر أونلاين


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك