هل نتخلى عن مبادئنا وقيمنا من أجل المال؟

هل نتخلى عن مبادئنا وقيمنا من أجل المال؟

هل من الممكن أن تترك وظيفتك لأن سياسات الشركة التي تعمل لديها تتعارض مع المبادئ الأخلاقية التي تؤمن بها؟

في الصيف الماضي، أشارت تقارير عدة إلى أن عشرات الموظفين في شركة "غوغل" قدموا استقالاتهم على خلفية انخراط الشركة مع الجيش الأمريكي في مشروع كان يعرف باسم "مافين".

وفي إطار هذا المشروع، كانت الشركة توفر خدمة معالجة البيانات لطائرات مراقبة تابعة لوزارة الدفاع الأمريكية بهدف تطوير تقنيات المراقبة، كما اعترض كثير من الموظفين على الطريقة التي يتعامل بها بعض مديري الشركة مع المبادئ الأخلاقية التي توجه العمل في المؤسسة.

وربما واجه كثيرون منا معضلة أخلاقية أكثر شيوعا، حين اضطروا إلى رفض وظيفة ذات راتب مغرٍ لأنهم لم يستطيعوا غض الطرف عن مواقف الشركة حيال البيئة، أو الحيوانات، أو حتى طريقة تعاملها مع الزبائن.

إذا كنت واحدا من هؤلاء، فأغلب الظن أنك من أبناء جيل الألفية، المولودين في الفترة من عام 1981 إلى 1996. فقد أثبتت دراسات عديدة أن أبناء هذا الجيل أكثر حرصا من الأجيال السابقة على إحداث تأثير إيجابي في المجتمع من خلال عملهم.


وأشارت دراسة حديثة إلى أن السبب الرئيسي الذي يحمل أبناء جيل الألفية على ترك وظائفهم هو اعتراضهم على الثقافة التنظيمية للشركة (أي القيم والمبادئ والمعايير السائدة في الشركة والتي تعكسها سلوكيات أفرادها) ويفضلون العمل في شركة تتبنى نفس القيم التي يؤمنون بها ولو براتب أقل. لكن من لديه القدرة على اتخاذ هذا القرار؟

ثمن ترك الوظيفة

طالما وُصف أبناء جيل الألفية بأنهم لا يستقرون في وظيفة، إذ سلطت عدة دراسات الضوء على كراهية هذا الجيل للعمل الروتيني أو للتدرج الوظيفي المتوقع.

وتواجه بعض القطاعات التقليدية صعوبات جمة للحفاظ على موظفيها الأصغر سنا. إذ خلصت دراسة أجراها معهد توظيف الطلاب وحديثي التخرج في عام 2017 إلى أن 46 في المئة من حديثي التخرج يتركون أول وظيفة لهم بعد خمس سنوات من شغلها.

واشتهر أبناء جيل الألفية بأنهم قد يتركون وظائفهم لمطاردة أحلامهم أو للسفر والترحال حول العالم، رغم أن قرار التضحية بالوظيفة الثابتة في سبيل بدء مشروع خاص أو للتنقل من بلد لآخر هو قرار خطير ومكلف، لا يتحمل تبعاته إلا قليلون.

إذ أوضحت أبحاث عديدة أن الفترات الفاصلة بين ترك وظيفة والالتحاق بأخرى قد تخفض متوسط الرواتب بما يصل إلى آلاف الدولارات سنويا، وقد تؤثر أيضا على جودة الوظيفة القادمة والرضا الوظيفي.

وفي إحدى محاضرات مؤتمر التكنولوجيا والترفيه والتصميم المعروف اختصارا باسم "تيد"، في العاصمة الكولومبية بوغوتا، تحدث كريستيان بايفيلد، موظف كولومبي سابق في أحد البنوك الاستثمارية، عن تجربته في ترك مجموعة من الوظائف ذات الرواتب الضخمة التي لم ترض طموحه وتوقعاته في قطاع المصارف والتأمين، وتفضيله حياة السفر والترحال حول العالم.

ويقول بايفيلد: "منذ أن قررت أن أتبع حدسي، واجهت الكثير من الأمور التي لم تكن في الحسبان". وبعد أن عانى من عدم الاستقرار المادي لنحو عامين، أصبح لبايفيلد جمهور عريض يتابع نصائحه عن السفر والتنقل من بلد لآخر.

لكن بايفيلد قد يكون حالة استثنائية، فمعظم أبناء جيل الألفية يضعون الراتب المجزي في الحسبان عند المفاضلة بين العروض الوظيفية. ففي الحقيقة، تدل الشواهد على أن الراتب المغري هو الدافع الأساسي لاختيار الوظيفة المناسبة، أما مسألة "ترك بصمة" أو "إحداث تغيير في المجتمع"، فهي مجرد عبارات رنانة زائفة.

إذ أشار استطلاع للرأي أجرته مؤسسة "ديلويت" لخدمات الاستشارات والمحاسبة إلى أن 63 في المئة من أبناء جيل الألفية يعدون الربح المادي أحد أهم العوامل التي ترجح وظيفة على أخرى. وخلص بحث أجرته شركة "تريبل بايت" للتوظيف في الشركات التقنية، إلى أن 70 في المئة من أبناء جيل الألفية يختارون الوظيفة الأعلى راتبا، على غرار الجيل السابق لهم.

ويقول لي كاراهر، مؤلف كتاب "أبناء جيل الألفية والإدارة": "إن أبناء جيل الألفية شأنهم كشأن غيرهم يريدون الاستقرار".

بل في واقع الأمر، يحتاج أبناء جيل الألفية للاستقرار المادي أكثر مما كان يحتاجه آباؤهم، إذ تثقل أقساط قروض الدراسة الجامعية، التي تزداد عاما بعد عام، كاهل أبناء جيل الألفية في كثير من دول العالم، ولا تزال تداعيات الأزمة المالية العالمية تلقي بظلالها القاتمة على أوضاعهم الاقتصادية وظروفهم المعيشية.

ومن ناحية أخرى، أوضح أحدث إحصاء لمؤسسة "بيو" للأبحاث في الولايات المتحدة، أن أبناء جيل الألفية ليسوا أقل تمسكا بوظائفهم من أبناء الجيل الذي يسبقهم، عندما كانوا في نفس الفئة العمرية.

وهذه الدراسة تعد واحدة من بين دراسات عديدة تؤكد أن المعدل المرتفع للتنقل من وظيفة لأخرى ليس سمة من سمات جيل الألفية.

ومنذ أن التحقت ماريا رييز، (فضلت عدم الإفصاح عن اسمها الحقيقي)، مديرة مشتريات في منتصف العشرينيات، بسلسلة متاجر للبيع بالتجزئة في كولومبيا، شعرت أن الثقافة التنظيمية للمؤسسة تخالف توقعاتها وتتعارض مع القيم والمبادئ التي تؤمن بها. وتقول رييز: "لم تعبأ الشركة بمصالح الناس على الإطلاق".

ورغم ذلك، لم تتمكن من ترك وظيفتها، بل إنها وقعت أيضا عقدا يلزمها بالعمل لدى الشركة دون غيرها لمدة عامين، وحصلت في المقابل على دورة تدريبية باهظة في الخارج. فإذا تركت وظيفتها، ستضطر لرد نفقات الدورة التدريبية للشركة.

وعندما ترقت إلى منصبها الحالي، دخلت في دوامة من الصراع الداخلي النفسي بين القيم من جهة والمال من جهة أخرى. إذ كانت تتولى التنسيق مع الموردين و"تحاول الحصول على المال بأي ثمن، دون مراعاة لمصالح الطرف الأخر"، على حد قولها.

ولم يعجبها الضغط على العملاء والاحتيال عليهم لجني المال للمؤسسة، خاصة عندما كانت قراراتها تضر بمصالح الشركات الصغيرة. وتقول: "أعتقد أن كلا الطرفين في المعاملة التجارية يجب أن يكون رابحا، لا أن يربح أحد على حساب الآخر."

لكن المشكلة أنها شغلت هذا المنصب في سن صغيرة نسبيا، وإذا تقدمت لشغل نفس المنصب في شركة أخرى لا تظن أن أحدا سيمنحها فرصة لإجراء مقابلة.

وتقول إنه لا يوجد أيضا الكثير من الشركات التي تطلب تخصصها. ولهذا فإن خطوة تغيير الوظيفة في الوقت الحالي غير موفقة.

أما مارسيلا كاردونا، (لم ترغب في الإفصاح عن اسمها الحقيقي)، من مواليد جيل الألفية أيضا، فقد عملت في مجال الصناعات الدوائية في بداية حياتها المهنية على أمل أن تساعد الناس من خلال عملها، ولكنها سرعان ما واجهت الكثير من المعضلات الأخلاقية. وتقول: "إنها مجرد تجارة والهدف منها جمع أكبر قدر من المال وليس مساعدة الناس".

ولم تمض فترة طويلة حتى أعدت رسالة ماجستير في الأخلاقيات الحيوية، لعلها تخوض غمار مهنة جديدة.

لكن أمالها تبددت عندما حملت في طفلتها الأولى، إذ لم تعد تستطيع تغيير مهنتها في وقت تحتاج فيه المال لإعالة ابنتها. وظنت أنها بتغيير منصبها قد تتحسن الأوضاع، ولكنها واجهت نفس القضايا الأخلاقية في كل مكان كانت تعمل فيه.

وبالرغم من أنها لا تزال غير راضية بالمرة عن وظيفتها، إلا أنها تقول: "على المرء أن يكون عمليا".

البعض أفضل حظا من غيرهم

بعض المهارات أكثر طلبا في أسواق العمل، وهذا يعني أن أصحاب هذه المهن أمامهم وظائف عديدة ليختاروا من بينها.

ويقول أروم بارتام، أحد مؤسسي شركة "تريبل بايت"، إن المهندسين في وادي السيليكون، على سبيل المثال، يتمتعون بامتيازات كبيرة ولهذا يملون شروطهم الخاصة المتعلقة ببيئة العمل.

ويضيف أن الموظفين في المجالات غير الفنية، مثل العلاقات العامة أو الشؤون القانونية، أمامهم خيارات محدودة مقارنة بالمبرمجين. وإذا أراد المهندس الموهوب أن يأخذ إجازة طويلة للتفرغ العلمي في سبيل "التطوير المهني"، فسيكون تأثيرها أقل على تدرجه الوظيفي.

وعلى العكس، فإن أي قرارات من هذا القبيل سيكون لها تبعات كبيرة على المستقبل المهني في المجالات الأخرى التي تقل فيها الرواتب وتندر فيها الوظائف، مثل العلوم الاجتماعية أو الاتصالات.

وبشكل عام، كلما زادت المدخرات أو الأصول أو المؤهلات المهنية لدى الموظف، زادت قدرته على اتخاذ القرارات التي تنطوي على التضحية بالراتب.

إحداث تغيير إيجابي

ربما يكون الحل الأسلم للمأزق الأخلاقي الذي يواجهه الكثير من أبناء جيل الألفية، هو أن يختاروا العمل الذي يتفق مع ثوابتهم وقيمهم. إذ أشارت أبحاث عديدة إلى أن هذا الجيل يريد أن تلتزم الشركات التي يعملون لحسابها بالمبادئ الأخلاقية، وبالتنوع العرقي والثقافي، وأن تقوم بدور إيجابي نحو المجتمع والبيئة.

وأثبت الكثير من الدراسات أنه كلما زاد التوافق بين قيم المنظمة وقيم أفرادها، زاد مستوى الرضا الوظيفي، وبالتالي زادت أرباح الشركة.

ومن الواضح أن الضغوط التي يمارسها الموظفون الشباب على الشركات قد آتت أكلها. إذ استجابت الكثير من المؤسسات الكبرى لهذه المطالب من خلال زيادة الانخراط في العمل التطوعي والخيري، ووضع سياسات المسؤولية الاجتماعية للاضطلاع بدور إيجابي في المجتمع، والإعلان عن مواقفها الأخلاقية بوضوح.

ويقول كاراهير إن القيم التنظيمية التي تعد "البوصلة الأخلاقية" للمؤسسة أصبحت وسيلة فعالة لجذب المواهب الشابة.

وقد باءت شراكة غوغل مع الجيش الأمريكي بالفشل بسبب اعتراضات موظفيها، إذ قررت المؤسسة عدم تجديد مشروع "مارفن" وأنهت تعاقدها مع البنتاغون، رغم أنه كان سيدر على المؤسسة أرباحا وفيرة، وذكرت الشركة أن أحد أسباب إنهاء العقد كانت مخالفته "للمبادئ التي تتبعها في مجال تطوير الذكاء الاصطناعي".

قد يكون هذا مثالا على التضحية بالمال مقابل المبادئ، ولكن شركة عملاقة مثل غوغل، لديها القدرة على اتخاذ هذا القرار. ويبدو أن بعض موظفيها أيضا تيسرت لهم الأسباب التي تمكنهم من وضع القيم والمبادئ أولا، من مستوى معيشي مرتفع، إلى فرص توظيف عديدة في شركات منافسة.

لكن مع الأسف، معظم أبناء جيل الألفية الذين يشعرون أن عملهم يتعارض مع قيمهم ومبادئهم يدركون أن "ترك بصمة في المجتمع" و"اتباع حدسهم" هي في النهاية قرارات مكلفة، لا يقدر على اتخاذها إلا من كان ذهنه خاليا من الهموم ولديه من المال ما يكفيه.


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك


تابعنا على فيسبوك




صفحاتنا على الشبكات الاجتماعية