مع الآخرين

لا تكن وحدك مصيبًا، كن مع الآخرين وإن كانوا على خطأ. في المدرسة كنت ذكيًا، كان الأساتذة يشيدون بهدوئي فأشاغب خارج المدرسة، في الإعدادية وصلنا إلى صف امتلأ بالراسبين، كانوا أكبر منا وأطول، يحملون ألقابًا حتى الأساتذة أنفسهم ينبزونهم بها: الزرب، الأنبوب، الربح... كانوا مشاغبين جدًا. حتى الإدارة المدرسية استعصى عليها تأديبهم، الشغب طبع.

حافظنا على طبائعنا نحن الوافدين الجدد للصف، ارتأى الأساتذة أن يستعينوا بنا لإبلاغهم بالمشاغبين الذين يقومون بالتشويش على الدرس حين يدير الأستاذ ظهره جهتنا متجهًا للسبورة، لم يرض أحد أن يقوم بالمهمة، الأساتذة يمنحونك نوعًا من الأهمية لتتعاظم الذات وتشعر باختلافها على الجميع، أنت ذكي، يقولون لك على انفراد، أنت الأفضل، نريدك أن ترفع لنا بمن يهمهم وقت الشرح، يقول أستاذ لأستاذ غيره لامزًا: شوف هذا أصغر واحد بس ما شاء الله، وحش، أذكى واحد، أقوى واحد، وأحسن واحد يعرف الإملاء.

في تلك السنة عليك أن تعرف معنى "بين اخوتك مخطئ ولا وحدك مصيب". اختلفت على الجميع، امتزت عليهم، أومأت باصبعي تجاه المشاغبين، ولكم أن تتخيلوا، ليس ردة فعل الأنبوب وحده، بل الفصل كله بمن فيهم أصحابي الهادئين. نلت نصيبي جيدًا، ولا أذكر إن كان الأنبوب قد زارني وهو يحمل علبة عصير أم لا. تعلمت أن أكون بين الجميع إذا كنت وحيدًا.

إذا كنت بين أصدقاء يمتلكون رأيًا واحدا، ووحدي أخالفهم، فلا أعلن.. أهز رأسي لهم فقط. المجاهرة بمخالفة الجميع مجازفة، من تواتيه الجراءة لفعل ذلك يستحق وسام الشهرة، هو بالتأكيد يحوز على الشهرة في بيئته ولكن بعد أن تنوشه أيدي الآخرين. أعرف ذلك تحديدًا في تشجيع كرة القدم.

في كأس العالم، 2010، تم نصب شاشة كبيرة داخل المعسكر، في ملعب كرة السلة، كانوا يسمحون بالدخول لمجاوري المعكسر المحتاجين لأخذ "الكدم". في تلك الليلة كانت المباراة بين الجزائر وأمريكا. جنود من كتيبة الدبابات والمدفعية، الشرطة والفنية، شعبة التسليح وشعبة الكمبيوتر، المشاة والدفاع الجوي، دخل شاب مسكين من الحارة بعمر العشرين، طرح الشوالة وبداخلها بقايا طعام من ميز الضباط وبقايا الحثرة "العجين المحشو داخل الكدمة"، لم يكن يعره أحد أي اهتمام، ينظرون إليه كمسكين، لا يردون عليه السلام أو يبتسمون في وجهه، في ذلك اليوم، وعندما سددت أمريكا هدفًا في المرمى الجزائري وقف فرحًا وحيدًا يصيح بأعلى صوته: جوووووووووووووووووووووووول.. الله أكبر..

كان الجميع جلوسًا واجمين ووحده الواقف، رشقوه بالحصى، بقرش الموز، بالكدم، بالأحذية، أفرغوا ضجر الهزيمة فوق المخالف المسكين، كان قد استدار تجاه الجمهور كما لو أنه البطل الأخير على خشبة مسرح.. ويبدو أنه استغرب بأن لا أحد يشجع أمريكا غيره.

بعد ذلك اليوم سيعرفه الجميع، ويبتسمون في وجهه. لكنه أقسم بيمين مغلظة بأن لا يشجع أمريكا مرة أخرى. القصة ليست خنوع، لا لا، فهو لا يريد الشهرة. أعرف ناشطة تفعل ذلك، بل ناشطات، يفعلن ذلك، في الواقع أحيانًا يمشين مع الجميع وأحيانًا ينفردن، حتى من خلال اللبس.

عندما تكون في اليمن ترتدي البالطو والحجاب، وحين تصعد الطائرة تخلع البالطو والحجاب، يرفرف الشعر برحابة الحرية، وتنكم مسامات الجسد بضيق الموضة، إحداهن أظهرت فجوة صدرها فصار لها جمهورًا، إحداهن امتازت على قريناتها بمحاربة القات، آخر ألحد لكن في الآونة الأخيرة بدأت تنحسر شعبيته، آخر نسى كل الجرائم وأشعل ذهنه ليشخص كل مشاكل البلاد وبتنظير منقطع النظير صنع من القات مشجبًا لكل مشكلة.

اختلفوا في عالم فيسبوك فحصدوا الكثير من الشتائم والكثير من اللايكات. لست مصيبًا وحدي، لا أريد المعالجة بالصدمة، لا أعالج بها ولا أتعالج، أنا فقط أنتبذ مكانًا قريبًا لأشاهد عن كثب وأصوغ ما يقوله "المخطئ المنفرد، أو المصيبون جميعًا، أو العكس".

هل كنت مخطئًا زمن المشاغب الشرس "الأنبوب" أيام الدراسة. في تلك الأيام كانت طباع، التقيت "الأنبوب" وقد تغير تمامًا، كان على دراجته النارية وجاء من الجبل بعد أن أمر ولده بإعادة "الأجداء" إلى البيت. "الأجداء: ذكور الغنم".

اشتكى لي من قساوة الناس هذه الأيام، الآدميون يقتلون بعضهم ببرود، قتل في السوق وقتل في الطريق، قال لي: "هاذوم مومعاهم من قلوب.. تصدق رجمتوا الجدي غلط واكتسرت رجله، قلبي يلهب للآن، وقد ادوكوا له علاج من الصيدلية".

في كأس العالم، سأشجع من يشجعه الأنبوب، من كان الأنبوب بجواره فلن يكون وحيدًا.

* المقال خاص بموقع المصدر أونلاين



شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك