خيارات رمضان

إلى الآن تختلف الجماهير في نطقها: سنبوسة أم سمبوسة!؟

غير أنه يمكن تعريفها بأنها مثلث يمكن حشوه بأي شيء عدا الديناميت بالطبع، ويظهر هذا المثلث في شهر رمضان الكريم.

كان لرمضان طعم قبل أن تتمكن نسوة القرية من لف عجينة السمبوسة.

في البدء كان اللحوح سيد العشاء، النساء يقمن برشه على الصاج، والصاج ذاك الصحن المسطح الذي يصمد لثلاثين يومًا على الأثافي حتى تتشكل طبقة من السواد في أسفله، الدخان الذي يخرج من مقطورة البيت يكفي لتظن أن حريقًا هائلًا قد أذاب الصاج وفتت الحجارة.

كان لرمضان طعم في بساطته، وكانت أدخنة المنازل روتين سنوي ينقل أرواح الرجال إلى مصاف الأتقياء ويعذب النسوة اللواتي يتعبن وهن ينفخن تحت الرماد ليشتعل دقاق الحطب اللحقة لطهو الشوفان.

كان التلفزيون بالأبيض والأسود، لم تصب العيون بعمى الألوان، ولم تتعدد الخيارات لتحيرها في اختيار الدراما: مسلسل الأطفال.. مسابقة القرآن.. مسلسل آخر.. ثم القصة التاريخية والتي لا يصمد لها إلا القليل من الصغار الذين اعتبروا أنفسهم أبطالًا لتمكنهم من السهر حتى السحر..

في أول الليل: أمكنة السُمَّار تهزج بالتراتيل الوجدانية الجماعية، وكلما دبت من الديوان يهرع الأطفال الذين يلعبون في الخارج للإصغاء وهز الرؤوس كأنهم حفاظًا لتلك الأهازيج.

"رحبوا يا صائمين

شهر رب العالمينَ

عاده الله علينا

وعليكم أجمعينَ".

كانت الخيارات محدودة جدًا، بل في بعض الأحيان لم تكن هناك خيارات من عدمها.

وكانت المصابيح اليدوية بأضويتها الصفراء لازمة من لوازم تلك الليالي.

سطعت الأضواء البيضاء الغازية، وانطفأت المولدات..

تعددت خيارات الناس، التراتيل الوجدانية الروحانية ضاعت وربما استُبدِلت بالزوامل المنبعثة بإزعاج من مشغلات الـ Mp3.

كل الصغار يسهرون، لكنهم بلا قصص تاريخية ولا مسابقات أطفال، بل يمارسون لعبة الحرب في تصوير مصغر للحرب الكبيرة التي يعيشونها، ولا أحد يعتبر نفسه بطلًا إذ أن معظمهم يظنون أنفسهم ضحايا حتى إشعار آخر.

شاشة التلفاز متوفرة وبمقاسات مختلفة لكن المشاهد يضيع بين فواصل الإعلانات..

والآن توفر كل شيء، الكراميلا والجيلي، السمبوسة والباجية، الشفوت والفتوت، الأرز والسلطة، الشوفان وشوربة الدجاج، الثلج والبن، اللحوح والكعك، والقنوات، ومع ذلك يقوم المشاهد جائعًا وروحه ناقصة.

القرآن هو القرآن..

ولكن لم يعد طعم رمضان كما كان في السابق، في زمن الخيار الوحيد.

الأرواح معذبة، ونفسيات الناس متقلبة، نحن نعيش في حرب..

رمضان كريم..



شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك