الشرعية وديمة جدي غانم!

جدي غانم علي، رحمه الله، ابن عم والدي، رجل عاش حتى الثمانين من العمر، وقد توفاه الله وهو على رأس شغله في هيجة سَنَف، المنحدر الذي أحاله مدرجًا زراعيًا بيديه الصلبتين، رجلٌ من السلالة النقية لآدم، وربما أنه آخر الفراعنة..

كان طول جدي غانم قرابة المترين، ويده بعرض ساقي أنا وبصلابة ذراع حفار آلي، وكان اصطرع مرة مع ضبع في طريق عودته ليلًا إلى القرية، ولم تكن نتيجة النزال غريبة كالعادة، حيث يسائله الناس عما حصل ليلة البارحة، فيرد وهو منشغل بتفليق الصخور: طاهش من حق يومية يارجّال، ماهلش حاجة.

 حفر جدي غانم ستة آبار في هيجة سنَف، لكنه لم يجد الماء في أي منها، وفي أحد مواسم المطر ضنت السماء بهديتها التي يرقبها المزارعون، فغادر إلى القرّيشة للبحث عن عمل، وحدث أن صادف عجوزًا تنوي بناء ديمة صغيرة لبقرتها، وكان جدي غانم خبيرًا بندف القطن، وبناء جدران المدرجات الزراعية، لكنه لم يجرب من قبل العمارة.

 سألته العجوز إن كان بمقدوره أن يبني لها الديمة، فأجاب جازمًا: أبب، وانا غانمين، أبنيها ونص. واتفقت معه على الأجر، ثم بدأ بتحضير الطين والأحجار، واستدعى أدوات البناء، وجلس بعدها لمضغ القات إلى وقت المغرب، ليباشر منه البناء طوال الليل على ضوء القمر.

 وطلع القمر، وقام جدي غانم يبني بدأب، يتناول الطين، ويرص الأحجار ويشبكها ببعضها، والقرّيشة قرية أرستقراطية لا تسمع لأهلها حسًا في مساء غير مساءات رمضان والأعياد، أهلها تجار نشطون، يستحوذون على شوارع في مدن عديدة، من صنعاء إلى تعز وحتى جيبوتي، وبقي جدي غانم يسامر البدر ويرفع البناء حتى نطق الفجر وكان قد انتهى من مهمته.

 استراح على الصفا القريب، ينتظر العجوز لتأتيه بالإفطار ولتدفع له الحساب كيما ينتقل إلى مشروع جديد، فهو قد وجد البناء مهمة سهلة لا تستدعي كل ذلك العناء الذي يصرفه في صناعة أفرشة القطن.

 وجاءت العجوز، فنهض الجد منتشيًا ينتظر دهشتها من إتمامه العمل في وقت قياسي، فلا يقدر على بناء ديمة في ليلة واحدة غير غانم علي، وبقي يترصد تعابير وجهها المهرّد، لتغافله ويدها على رأسها: واين الباب واغانم؟!

- هاااه!! أين الباب حق الديمة واغانم علي؟!! تتساءل مرة أخرى. أخذ يتمتم: أين الباب حق الديمة وا غانم عليييي، سدقك، أين الباب حق الديمة وا غانم علي.

ليدخل على إثر ذلك في نوبات ضحك هستيرية، يفصلها نفس التساؤل: أين الباب حق الديمة وا غانم علي؟! والله نسيتو الباب يا خالة، هههههههه قال الراوي: إن على الشرعية وهي تشتغل على تحرير المدن، إن عليها أن تبقى يقظة لما يمكن أن يفسد التحرير حين يحدث!



شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك