للأسف على جمال..!

عندما بلغنا خبر وفاة جمال عبد الناصر ، في مثل هذا اليوم، 28/9/1970 ، كنت صغيرا أعاون أمي في "شرياف" نقد " حقل" الحنكة الذي يعرفه أهلنا ال عمران .. كان الزمان خريفا .. سمعت من مسافة صوت عمي هادي يصيح : مات جمال عبد الناصر.. بريطانيا سوف تدمر العرب، من البحر..! كانت بريطانيا ثعلب البحار.. ويفهمها عمنا الأمي بطريقته.. ورددت حينها كلمات بسيطة بشكل أنشودة بصوت حزين، وأنا لا زلت أعمل إلى جانب أمي في الحقل، ظلت أمي بعد ذلك تذكرني بها ، وتنشد : وهي ساخرة ومبتسمة : للأسف على جمال..! وهي ذات العبارة التي رددتها حينذاك ..

 

تركت أمي لوحدها وهي منهمكة في العمل، وما أظنني تغافلتها، وخرجت من الحقل، لكنها سرعان ما تبعتني ، وكنت أريد الإضراب ، أو ما يشبه الإضراب عن العمل، بسبب خبر وفاة عبد الناصر الذي سمعته للتو ..! لكن أمي باشرتني بضربة في ظهري بعصاب الشرياف( قل حزمة علف صغيره على وجه التقريب.. ! ) .. ضربتني وهي تقول : إرجع ..! قدك تبا تلحق أبيك .. !

 

لا بد أن أمي كانت واقعية وعملية ، أما أنا فيبدو أنني تأثرت بثورية أبي التي دفع حياته مبكرا ثمنا لها..قضى أبي نحبه قتلا في الحرب ضد الإمام قبل وفاة ملهمه جمال عبد الناصر بثمان سنوات ..

 

كان جيل الستينات جميلا ورومانسيا ومتحمسا وحالما بوحدة العرب .. وكان ذلك الجيل يظن أن جمال بطل الأحلام وفارس التطلعات ، وانه سيحقق الوحدة والعزة والكرامة، وكان جمال يردد كلمات العزة والكرامة والحريّة كثيرا في خطاباته ..تفاعلت مع مشروع جمال كل أطياف المجتمع العربي ، ريفا وحضرا ، مدنا وقرى ،أمراء وسلاطين ومشايخ وعمال ومزارعين ومثقفين .. كانت صور جمال عبدالناصر في كل مكان .. وكان يعرفه العرب جميعا تقريبا، على الرغم من انتشار الأمية وضعف وسائل التواصل ..

 

أحب العرب جمال لسببيين رئيسين كما يبدو ، فهو الذي رفع لواء العروبة وظنوا أنه أكثر قدرة مِن غيره في تحقيق وحدة العرب وحقهم في الكرامة والحريّة والإستقلال ، وكان جمال مستقيما و نزيها على المستوى الشخصي وغير فاسد وهذا السبب الثاني الباعث على محبته..

 

اختلف جمال مع كثير من القادة الذين عاصروه ، وتبادل مع بعضهم الاتهامات والمؤامرات .. ولفت نظري من خلال خطاباته المسجلة ، أنه كان حادا في خلافاته ولا يتردد في استخدام الفاظ وعبارات مقذعة، لا تتناسب مع مكانته ونزاهته ..

 

النزاهة التي سادت ذلك العصر عمت بلاد العرب، وكان الزعماء يتنافسون عليها .. وكان كل منهم حريصا أن يترك مجدا، ولم يكن القادة يتسابقون على الإثراء كما فعل كثير منهم بعد ذلك عندما ساد الفساد .. كان كل منهم حريصا أن يكون قدوة ونموذجا.. كان الملك فيصل يشكو الإعلام الذي يتابع نشاطه اليومي ،الذي يعتبره هو واجبا ، كما أعلن ذلك في أحد خطاباته، وكان يمنع ابناءه من إقتتاء سيارات وهم طلاب في الجامعات الأمريكية ..

 

خاض عبد الناصر تجربة إنسانية فيها الصح والخطأ، والنجاح والإخفاق، ويقدر له أنه كان يحمل مشروعا عربيا كبيرا ومحترما ..وكان مخلصا لمشروعه.. ولا يعني إخفاق مشروع وحدة العرب أنها فكرة غير مشروعة.. فهي في تقديري فكرة طبيعية جدا وحيوية .. وسياتي من ينجح يوما في إنجازها .. قد يكون ذلك ملكا أو رئيساً، أو بالأحرى ملوك ورؤساء تسندهم طلائع الأمة وقادتها..

 

وبالتأكيد فإن تجربة ناجحة من هذا القبيل، ستتحاشى الأخطاء الكبيرة التي ارتكبت في الماضي..

 

 

 

*نقلا عن صفحة الكاتب على فيس بوك 

طباعة إرسال

إرسل لصديقك

شارك برأيك

لديك 1000 حرف لكتابة التعليق

استفتاء