غرابة داخل الكأس

خابت معظم التوقعات، القراءات المعمقة لفرق الكرة سطَّحتها النتائج، وبدا المحللين الرياضيين في العالم نسخة من البخيتي وغلاب وحسين الوادعي.

 

كأس العالم امتلأ بالمفاجآت الحارة، لا وزن لتكاليف إعدادات المنتخبات للمونديال، ولا قيمة لترتيب الفيفا ومن يقع في المراكز الأولى، لا دخل للأدوار السياسية التي تلعبها الدول المتحكمة في العالم، لو كانت كذلك لكان في النهائي روسيا وأمريكا.

 

 كما أن الأموال الضخمة التي تملكها دول وتنفقها لإرضاء دول لا أهمية لها، لو كان لتلك الأموال أهمية ربما سنجد منتخبًا عربيًا في المركز الثالث.

 

صغر حجم دولة وجهلنا بالتاريخ عنها لا دخل له، أثناء مباراة روسيا وكرواتيا انقسم المشاهدين، المتابعون للدوريات الأوروبية يعرفون بعض اللاعبين الكرواتيين، عثمان حسن رجل في منتصف الستينات، حضر متأخرًا، وكعادته سأل: المباراة بين من ومن؟ وكعادته سأل أيضًا: وأنتم من تشجعوا؟ عندما سمع باسم كرواتيا، قال بامتعاض: أيـ... بمه، هذي ما حد قد سمع بها، الواحد يشجع دولة عظمى.

 

لم ينخرط عثمان في صفوف الجبهة الوطنية إبان حروب المناطق الوسطى، كما أنه لم يطلع على الأدب السوفيتي ولم يمر بتجربة نضالية مع الاشتراكيين، سيظن أن لينين اسم دولة تحدها من الشرق ليبيا ومن الغرب الشيشان.

 

إنها السمعة بعظمة الدور الذي تلعبه روسيا، الخراب في سوريا، التغطرس على الأوروبيين، المهاترات مع أمريكا، كل تلك محددات نفسية تجذب الوعي البسيط للظن أن روسيا ستفوز بكأس العالم، وحين تمكنت روسيا من اجتياز منتخبات كبيرة كان على كل شخص أن يبحث عن تأويل للمفاجأة الكروية.

 

شخصيًا، اعتقدت أن الروس استخدموا علم النفس لتطويع الكرة لصالحهم، لا يوجد من هو أبرع من الأدباء الروس في التحليل النفسي، وعزز هذا الاعتقاد تقريرًا كنت قرأته قبل سنوات حول التخاطر، تقول المعلومات أن أمريكا تظن بأن روسيا تقوم ببحوثات حول التخاطر كتقنية عسكرية، تقوم بذلك من بعد الحرب الباردة حتى اليوم، وفي فيلم "الرجال الذين يحدقون في الماعز" يقول ضابط أمريكي لصحفي أن هناك وحدة خارقة تقاتل بلا سلاح في العراق، ويقول له بأن الامريكان يعتقدون أن الروس التقطوا إشارة للوحدة الخارقة وأنهم يقومون ببحوثات مماثلة، المعلومات خيالية محضة: قتل الخصم عبر التحديق به.

 

روسيا متأخرة كرويًا، تهزم بلاد الكلاسيكو، تخرج بلد "ريال مدريد" وأسطورة "برشلونة".

 

انظروا لأعين اللاعبين، أعين الجماهير، وأعين دكة الاحتياط، التخاطر والتحديق في الخصم من أسباب تفوق روسيا، فوزها بكأس العالم هو رسالة تلباثية لأمريكا حول تفوق الروسيين في علم النفس ووصولهم إلى أسرار الإنسان وكنهه، حول التنويم عن بعد لحراس المنشئات العسكرية، كان هذا قبل أن يأتي النحيل "مودريتش" كابتن منتخب كرواتيا ورفاقه ليهزموا روسيا وعلم النفس ويجعلنا مدانين باعتذار خجول لديستوفيسكي.

 

كرواتيا بلد من أربعة مليون نسمة، والقراءة عن الضائقة المالية التي مرت بها يجعلك مستعدًا للتبرع بمصروفك الشخصي حبًا في إدارة الرئيسة.

 

في كرواتيا رئيسة، تجلس في المدرجات مرتدية فانيلة المنتخب، تصفق عند كل هدف وتعانق اللاعبين عقب كل فوز حتى وصلت للنهائي، أما نحن فليس لنا إلا أعين تحدق في الشاشات لتحدد المكان الذي تجلس فيه الرئيسة التي جعلتنا نرتشف الغرابة داخل كأس العالم.

 

طباعة إرسال

إرسل لصديقك

شارك برأيك

لديك 1000 حرف لكتابة التعليق

مقالات سابقة للكاتب